الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام فقرب إليه خبزا من شعير ومرقا فيه دباء قال أنس فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حول القصعة فلم أزل أحب الدباء بعد ذلك اليوم

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1161 1141 - ( مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ) زيد الأنصاري ( أنه سمع ) عمه أخا أبيه لأمه ( أنس بن مالك يقول : إن خياطا ) بفتح الخاء المعجمة والتحتية الشديدة ، ولم يعرف الحافظ اسمه ( دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعه ، قال أنس : فذهبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الطعام فقرب ) الخياط ( إليه خبزا من شعير ) بفتح الشين وقد تكسر ( ومرقا فيه دباء ) بضم الدال وشد الموحدة والمد ، الواحدة دباءة ، فهمزته منقلبة عن حرف علة ، وخطأ المجد الجوهري في ذكره في المقصور ، أي فيه قرع ، زاد في رواية القعنبي وابن بكير والتنيسي : وقديد . ( قال أنس : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبع ) بإسكان الفوقية وخفة الموحدة مفتوحة ( الدباء ) القرع أو المستدير منه ( من حول القصعة ) بفتح القاف ، زاد في رواية : يأكلها ، أي لأنها كانت تعجبه ، ويترك القديد ; إذ كان يشتهيه حينئذ ، ففيه أن المؤكل لأهله وخدمه يأكل ما يشتهيه حيث رآه في ذلك الإناء إذا علم أن مؤاكله لا يكره ذلك ، وإلا فلا يتجاوز ما يليه ، وقد علم أن أحدا لا يكره منه - صلى الله عليه وسلم - شيئا ، بل كانوا يتبركون بريقه وغيره مما مسه ، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلكون بها ، قال أنس : ( فلم أزل أحب الدباء ) أي أكلها ( بعد ذلك اليوم ) اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - . وفي رواية التنيسي وغيره : من يومئذ . وفي الترمذي عن طالوت الشامي قال : " دخلت على أنس وهو يأكل قرعا وهو يقول : يا لك من شجرة ما أحبك إلي لحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياك " . ولأحمد عن أنس : " أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له : إذا طبخت قدرا فأكثر فيها من الدباء فإنها تشد قلب الحزين " . وللطبراني عن وائلة مرفوعا : " عليكم بالقرع فإنه يزيد في الدماغ " . وللبيهقي عن عطاء مرسلا : " عليكم بالقرع فإنه يزيد في العقل ويكبر الدماغ " . وزاد بعضهم : " أنه يجلو البصر ويلين القلب " . وفي تذكرة القرطبي مرفوعا : " إن الدباء والبطيخ [ ص: 248 ] من الجنة " . قال الخطابي : فيه جواز الإجازة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة . وفي صنعة الخياطة معنى ليس في القين والصائغ والنجار ; لأن هؤلاء الصناع إنما يكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والفضة والذهب والخشب وهي أمور موصوفة يوقف على حدها ولا يخلط بها غيرها ، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيط من عنده فيجمع إلى الصنعة الآلة ، وأحدهما معناه التجارة والأخرى الإجارة ، وحصة أحدهما لا تتميز من الأخرى ، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان بخيوطه ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع ، وجميع ذلك فاسد في القياس ، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدهم على هذه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيره ; إذ لو طولبوا بغير ذلك لشق عليهم فصار بمعزل عن موضع القياس ، والعمل ماض صحيح لما فيه من الإرفاق . اهـ . ووجه إدخال الإمام هذا الحديث في الوليمة الإشارة إلى أنه لا ينبغي التخلف عن الدعوة ، وإن لم تكن واجبة لأن دعوة الخياط لم تكن في عرس ، إذ الظاهر من قوله : لطعام صنعه ، أنه صنعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإن كان معناه صنعه في عرس ودعا له المصطفى ، فالمطابقة ظاهرة ، وقال أبو عمر : أدخله في وليمة العرس ، ويشبه أنه وصل إليه علم ذلك ، وليس في ظاهر الحديث ما يدل على أنها وليمة عرس . وأخرجه البخاري في البيوع عن التنيسي ، وفي الأطعمة عن قتيبة بن سعيد والقعنبي وأبي نعيم الفضل بن دكين وإسماعيل ، ومسلم في الأطعمة عن قتيبة بن سعيد ، الخمسة عن مالك به ، قال ابن عبد البر : ورواه جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة عنه عن مالك بإسناده .




                                                                                                          الخدمات العلمية