الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( و ) الطريق ( غير النافذ يحرم الإشراع ) إليه بجناح أو نحوه ( لغير أهله ) بلا خلاف وإن لم يضر بغير رضاهم ; لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور ( وكذا ) يحرم الإشراع ( لبعض أهله في الأصح ) كسائر الأملاك المشتركة تضرروا بذلك أم لا ( إلا برضا الباقين ) فيجوز وإن أضر وأجمل أهله هنا للعلم به مما سيذكره أنه لا يمنع إلا من بابه بعده أو مقابله كسائر الأملاك المشتركة والثاني يجوز بغير رضاهم إن لم يضر ; لأن كل واحد منهم يجوز [ ص: 399 ] له الانتفاع بقراره فيجوز بهوائه ، وعلى الوجهين يحرم الصلح على إشراعه بمال لما مر ويعتبر إذن لمكتري إن تضرر به ، وبه أفتى البغوي ، ويقاس به الموصى له بالمنفعة ونحوه ، ولو وصى بعضهم لبعض بذلك امتنع الرجوع عليهم كما صرح به الماوردي ; لأنه لا سبيل إلى قلعه مجانا لوضعه بحق ، ولا إلى قلعه مع غرم الأرش ; لأنه شريك ، وهو لا يكلف ذلك ، ولا إلى بقائه بأجرة ; لأن الهواء لا أجرة له كما مر .

                                                                                                                            وقضية ذلك أن الإخراج لو كان فيما لا حق للمخرج فيه بأن كان بين باب داره وصدر السكة كان لمن رضي الرجوع ليقلع ويغرم أرش النقص وهو كذلك ، ولو عبر المصنف بقوله إلا برضا المستحقين كان أولى ليعود الاستثناء للأولى أيضا وهي ما إذا كان المشرع من غير أهله ، ولئلا يتوهم اعتبار إذن من بابه أقرب إلى رأس السكة لمن بابه أبعد مع أنه وجه ، والأصح خلافه بناء على استحقاق كل إلى بابه لا إلى آخر الدرب كما يعلم من قوله الآتي ( وأهله ) أي الدرب غير النافذ ( من نفذ باب داره إليه ) قال الزركشي أخذا من كلام غيره : والمراد من له المرور فيه إلى ملكه من دار أو بئر أو فرن أو حانوت ( لا من لاصقه جداره ) من غير نفوذ باب فيه ; لأن أولئك هم المستحقون للانتفاع ، ولا يتوقف دخول بعضهم على إذن الباقين بل ولا يؤثر لمنعهم بخلافه في العرصة المشتركة ; لأن التوقف على الإذن هنا يؤدي لتعطيل الأملاك بخلافه ثم قاله القاضي ، بل لغيرهم الدخول بلا إذن ; لأنه من الحلال المستفاد بقرينة الحال ، والظاهر أخذا من كلام البلقيني وغيره جواز الدخول وإن كان فيهم محجور عليه وكذا الشرب من نهره وإن كان الورع خلافه ، ومن ذلك ما صرحوا به من جواز المرور بملك الغير ، لكن قيده العبادي بما إذا لم يصر به طريقا للناس وغيره [ ص: 400 ] بما جرت به العادة بالمسامحة فيه ، ويمكن رد أحدهما للآخر ، ويكره إكثاره هنا وفي أرض استحق المرور فيها بلا حاجة .

                                                                                                                            قال القاضي : وليس لغيرهم الجلوس فيه بغير إذنهم .

                                                                                                                            قال غيره : وعليه فلا يجوز لهم أن يأذنوا فيه بأجرة كما ليس لهم بيعه مع أنه ملكهم ، وقول الماوردي هو تابع لملكهم وليس ملكهم ضعيف .

                                                                                                                            ا هـ وقد يفرق بأن البيع إنما امتنع ; لأن فيه إتلافا لأملاكهم بعدم ممر لها ، وحينئذ فيقيد بما إذا لم يكن اتخاذ ممر لها من جهة أخرى ، والإجارة ليس فيها ذلك ففي المنع منها نظر أي نظر ، على أن في توقف مطلق الجلوس على إذنهم نظرا أيضا ، فالأوجه حمله على جلوس لا يتسامح به عادة ، وأن ما يتوقف على الإذن يجوز أن يكون بأجرة ( وهل الاستحقاق في كلها ) أي الطريق المذكورة وهي تذكر وتؤنث فزعم أن هذا سهو هو السهو ( لكلهم ) أي لكل منهم فالكل هنا الكل الإفرادي لا المجموعي ; إذ لا نزاع فيه ; لأنهم ربما احتاجوا إلى التردد والارتفاق بكله لطرح القمامات عند الإدخال والإخراج ( أم تختص شركة كل واحد ) منهم ( بما بين رأس الدرب وباب داره وجهان أصحهما الثاني ) ; لأن ذلك القدر هو محل تردده ومروره ، وما عداه هو فيه كالأجنبي من السكة ، ولأهل الدرب المذكور قسمة صحته كسائر المشتركات القابلة للقسمة ، ولو أراد الأسفلون لا الأعلون سد ما يليهم أو قسمته جاز ; لأنهم يتصرفون في ملكهم بخلاف الأعلين ، ولو اتفقوا على سد رأس السكة لم يمنعوا منه ، ولم يفتحه بعضهم بغير رضا الباقين .

                                                                                                                            نعم إن سد بآلة نفسه خاصة فله فتحه بغير رضاهم .

                                                                                                                            ويؤخذ من كلام ابن المقري ، وصرح به أصله أنه لو امتنع بعضهم من سده لم يكن للباقين السد .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : إلا برضا الباقين ) أي فلو وجد في درب منسد أجنحة أو نحوها قديمة ولم يعلم كيفية وضعها حمل ذلك على أنها وضعت بحق فلا يجوز هدمها ولا التعرض لأهلها ، ولو انهدمت وأراد إعادتها فليس له ذلك إلا بإذنهم لانتهاء الحق الأول بانهدامها ، وينبغي أن محل ذلك إذا أراد إعادتها بآلة جديدة لا بآلتها القديمة أخذا مما قالوه فيما لو أذن له في غرس شجرة في ملكه فانقلعت فإن له إعادتها إن كانت حية وليس له غرس بدلها ، ويحتمل المنع للإعادة ولو بآلته القديمة لسقوط حقه ، ويفرق بينه وبين بقاء الشجرة حية ; لأن بقاءها حية تستدعي إعادتها كمفارقة مقاعد [ ص: 399 ] السوق لا للإعراض ولا مطلقا ولا كذلك الأجنحة فامتنعت مطلقا

                                                                                                                            ( قوله : لما مر ) أي من أن الهواء لا يفرد بعقد إلخ

                                                                                                                            ( قوله : الموصى له بالمنفعة ونحوه ) كالموقوف عليهم

                                                                                                                            ( قوله : امتنع الرجوع عليهم ) أي بعد الوضع كما يشعر به قوله ; لأنه إلخ

                                                                                                                            ( قوله : كما مر ) ويظهر في غير الشريك أن لهم الرجوع ، وعليهم أرش النقص أخذا مما يأتي في العارية ا هـ حج .

                                                                                                                            والمراد أنهم إذا رجعوا فلهم تكليف واضع الجناح بإزالة ما هو من الجناح بهواء الشارع لا ما بنى منه على جدار المالك ، فلا يقال : في تكليفهم الباني برفع الجناح إزالة لملكه وهو ما بنى على الجدار من ملكه وهو الجدار نفسه

                                                                                                                            ( قوله : وقضية ذلك ) أي ما ذكر من أنه يمتنع قلعه مع غرم الأرش ; لأنه شريك إلخ

                                                                                                                            ( قوله : إلا برضا المستحقين ) أي وهم من بابه أبعد من المشرع لا جميع أهل الدرب ا هـ شيخنا زيادي

                                                                                                                            ( قوله : والمراد ) أي بقول المصنف من نفذ باب داره إليه ( قوله : ولا يتوقف دخول بعضهم ) أي لما يعرض له كاستعارة شيء من الباقين أو دخوله لما يستحق الانتفاع به ، وهذا أوفق بقوله بعد لتعطل الأملاك إلخ

                                                                                                                            ( قوله : بلا إذن ) أي بل ، وإن منعوه من ذلك

                                                                                                                            ( قوله : جواز الدخول ) أي لحاجة ومنها البيع لهم والشراء منهم

                                                                                                                            ( قوله : من نهره ) أي المختص بهم

                                                                                                                            ( قوله : بملك الغير ) ومنه ما لو دعت ضرورة إلى المرور منه كما لو تعين طريقا للوصول إلى مزرعته أو نحوها فلا يجوز إلا إذا لم يضر بصاحب الملك ، ومثل الملك ما جرت العادة بزراعته من الأرض المضروب عليها الخراج ، فلو دعت الحاجة إلى المرور في محل من تلك الأرض وترتب عليه ضرر على مستحق منفعتها لا يجوز إلا بطريق مسوغ له كالاستئجار ممن له [ ص: 400 ] ولاية ذلك

                                                                                                                            ( قوله : ويمكن رد أحدهما للآخر ) أي بأن يقال : مراد غير العبادي بما جرت العادة بالمسامحة فيه أن لا يصير به طريقا ، وقد يقال لا يتعين حمله على ذلك بل يمكن الاحتراز به عما لو لم تجر العادة به أصلا كالبيوت النافذة حيث لم تجر العادة بالدخول من أحد بابيها والخروج من الآخر فيمتنع وإن لم يصر به طريقا

                                                                                                                            ( قوله : ويكره إكثاره ) أي الدخول ; لأن ذلك قد يؤدي لإضرار غيره

                                                                                                                            ( قوله : بلا حاجة ) قضيته جواز أصل الدخول من غير كراهة بلا حاجة ، وقد يتوقف في الجواز عند انتفاء الحاجة سيما إذا توهمت ريبة في دخوله

                                                                                                                            ( قوله : فلا يجوز لهم إلخ ) ضعيف

                                                                                                                            ( قوله : وقد يفرق ) أي بين الإجارة والبيع ( قوله : إذا لم يمكن اتخاذ ممر لها ) أي أما إذا أمكن فيجوز كما لو باع دارا واستثنى لنفسه بيتا منها ونفى ممره فإنه يجوز إن أمكن إحداث ممر للبيت ، بخلاف ما لو باع دارا لا ممر لها أصلا أو لها ونفاه فإنه باطل ، والفرق أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء

                                                                                                                            ( قوله : فزعم أن هذا ) أي التأنيث

                                                                                                                            ( قوله : ولو أراد الأسفلون ) أي عن رأس الدرب

                                                                                                                            ( قوله : سد ما يليهم ) أي حيث أمكنهم الاستطراق من غيره ولو بإحداث ممر ما لو لم يمكن ذلك لكل واحد منهم بأن تعذر الاستطراق من غير ذلك الطريق على بعضهم امتنع كما لو باع داره واستثنى لنفسه بيتا منها ولم يمكنه إحداث ممر له

                                                                                                                            ( قوله : لم يمنعوا منه ) أي حيث أمكن كلا الاستطراق من غيره ولو بإحداث ممر .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 397 - 398 ] . ( قوله : كسائر الأملاك المشتركة ) تعليل للمتن [ ص: 399 ] قوله : يحرم الصلح على إشراعه بمال لما مر ) أي من أن الهواء لا يفرد بعقد . ( قوله : امتنع الرجوع ) أي بعد الإشراع ( قوله : كما يعلم من قوله الآتي ) كان الأصوب أن يبدل لفظ قوله بلفظ كلامه ، أو يذكر المقول بأن يقول كما يعلم من قوله الآتي وهل الاستحقاق في كلها لكلهم إلخ [ ص: 400 ] قوله : بما جرت به العادة بالمسامحة فيه ) أي : لا كنحو المرور في نحو داره إن كان لها بابان ، وعليه فلا يمكن رد هذا إلى ما قبله كعكسه خلافا لما ادعاه الشارح فليتأمل . ( قوله : وليس لغيرهم ) أي : أهل الدرب




                                                                                                                            الخدمات العلمية