الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( وله أن يستند إليه ويسند متاعا لا يضر وله ذلك في جدار الأجنبي ) وإن منع المالك من ذلك ; إذ المنع منه عناد محض ، وهو كالاستضاءة بسراج غيره والاستظلال بجداره ، وقوله : لا يضر من زيادته ولا بد منه ( وليس له إجبار شريكه على العمارة في الجديد ) لخبر { لا يحل مال امرئ مسلم } .

                                                                                                                            وأما خبر { لا ضرر ولا ضرار } فمخصوص بغير هذا ; إذ الممتنع يتضرر أيضا بتكليفه العمارة ، والضرر لا يزال بالضرر ، ويجري ذلك في نهر وقناة وبئر مشتركة واتخاذ سترة بين سطحيهما ونحو ذلك كزراعة أرض مشتركة وكسقي نبات كما قاله القاضي وغيره ورجحه الأذرعي ، وقول الجوري : يلزم أن يسقي الأشجار اتفاقا ضعيف ، والقديم ونص عليه في الأم والبويطي في مسألة العلو الإجبار صيانة للأملاك المشتركة عن التعطيل .

                                                                                                                            قال الزركشي : وينبغي تقييد القولين بمطلق التصرف ، فلو كان لمحجور عليه ومصلحته في العمارة وجب على وليه الموافقة .

                                                                                                                            ولا يخفى أن محلهما في غير الوقف .

                                                                                                                            أما هو فتجب على الشريك فيه العمارة ، فلو قال أحد الموقوف عليهم لا أعمر ، وقال الآخر : أنا أعمر أجبر [ ص: 412 ] الممتنع عليها لما فيه من بقاء عين الوقف ، وفي غير ذلك يجبر الممتنع على إجارة الأرض المشتركة وبها يندفع الضرر ( فإن أراد ) الشريك ( إعادة منهدم بآلة لنفسه لم يمنع ) ليصل إلى حقه بذلك وينفرد بالانتفاع به ، وشمل كلامه ما لو كان الأس مشتركا ، وهو المنقول المعتمد خلافا للبارزي ; لأن له غرضا في وصوله إلى حقه ولتقصير الممتنع في الجملة ولأن للباني حقا في الحمل عليه فكان له الإعادة لأجل ذلك سواء أكان له عليه قبل الانهدام بناء أو جذوع أم لا ( ويكون المعاد ) بمال نفسه ( ملكه يضع عليه ما شاء وينقضه إذا شاء ) ; لأنه بآلته ولا حق لغيره فيه ، نعم لو كان للممتنع عليه حمل فهو على حاله ( ولو قال الآخر : لا تنقضه وأغرم لك حصتي ) ( لم تلزمه إجابته ) كما لا يلزمه ابتداء العمارة ، ولو أنفق على البئر أو النهر لم يكن له منع الشريك من الانتفاع بالماء إلا إن أداره بنحو دولابه المحدث ( وإن أراد إعادته بنقضه المشترك فللآخر منعه ) كسائر الأعيان المشتركة ، وأفهم كلامه جواز الإقدام عليه عند عدم المنع .

                                                                                                                            قال في المطلب : إنه المفهوم من كلامهم بلا شك ، والنقض بكسر النون وضمها وجمعهما أنقاض قاله في الدقائق ( ولو تعاونا على إعادته بنقضه ) ( عاد مشتركا كما كان ) سواء أتعاونا ببدنهما أم بإخراج أجرة ; لأنهما مستويان في العمل ، والجدار والعرصة ، فلو شرط زيادة لم يصح ( ولو انفرد أحدهما ) بالإعادة بالآلة المشتركة ( وشرط له الآخر زيادة ) على حصته كسدس ( جاز وكانت ) الزيادة ( في مقابلة عمله في نصيب الآخر ) ومحل هذا إذا جعل له الزيادة من النقض والعرصة حالا فإن شرطه بعد البناء لم يصح ; لأن الأعيان لا تؤجل ، قاله الإمام كما لو شرط للمرضعة جزء من الرقيق المرتضع ، ولو أعاده بآلة أحدهما وشرط له الآخر ثلثي الجدار جاز ويكون قد قابل ثلث الآلة المملوكة له وعمله بسدس العرصة المبني عليها ، قال الرافعي : ولا يخفى ، أن شرط الصحة [ ص: 413 ] العلم بالآلات وبصفات الجدران .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ويسند متاعا ) وخرج بالجدار الانتفاع بأمتعة غيره كالتغطي بثوب له مدة لا تقابل بأجرة ، ولا تورث نقصا في العين بوجه .

                                                                                                                            ومن ذلك أخذ كتاب غيره مثلا بلا إذن فلا يجوز لما فيه من الاستيلاء على حق الغير بغير رضاه وهو حرام

                                                                                                                            ( قوله : لا يضر ) أما ما يضر فلا يجوز فعله إلا بإذن ، وعليه فلو أسند جماعة أمتعة متعددة وكان كل واحد منها لا يضر وجملتها تضر فإن وقع فعلهم معا منعوا كلهم ; لأنه لا مزية لواحد منهم على غيره ، وإن وقع مرتبا منع من حصل بفعله الضرر دون غيره ومثله يقال فيما لو استندوا للجدار ومثل ذلك أيضا يقال في الاستناد إلى أثقال الغير

                                                                                                                            ( قوله : وإن منع المالك ) والظاهر أنه يحرم على المانع ذلك ; لأن هذا مما يتسامح به عادة فالمنع منه محض عناد

                                                                                                                            ( قوله : وكسقي نبات إلخ ) يؤخذ مما يأتي في إعادة أحد الشريكين بالآلة المشتركة من المنع أنه لو أراد أحد الشريكين السقي هنا من ماء مشترك معد لسقي ذلك النبات منه منع .

                                                                                                                            ومما مر في الأصول والثمار أنه لو أراد أحدهما السقي بماء مملوك له أو مباح لم يمنع حيث لم يضر بالزرع فليراجع

                                                                                                                            ( قوله : وجب على وليه ) أي أما إذا كان الطالب ولي الطفل فلا يجب على شريكه الموافقة ، وكذا لو طلب ناظر الوقف من شريكه المالك لا تجب عليه موافقته ، وظاهره : وإن أدى ذلك إلى ضياع الوقف ومال الطفل .

                                                                                                                            وأجيب عن ذلك بأنه يجبر الممتنع على إجارة الأرض وبهذا يندفع الضرر .

                                                                                                                            وبقي ما لو كان شركة بين محجور عليه ووقف وتعارضت عليه مصلحتاهما فهل تقدم مصلحة الوقف أو المحجور عليه ؟ فيه نظر بخلاف ما لو طلب بعض الموقوف عليهم العمارة من البعض الآخر فتجب عليهم الموافقة حيث كان فيه مصلحة للوقف

                                                                                                                            ( قوله : أجبر ) أي والحال أن الطالب والمطلوب منه مشتركان في الوقف وهم مشتركون في النظر ; لأن غير الناظر لا تطلب منه العمارة ولا يتأتى منه فعلها بغير إذن من الناظر ، أما إذا كان لشخص شركة في وقف وطلب من الناظر العمارة وجب عليه الإجابة ، بخلاف عكسه كما أفاده شيخنا المؤلف كذا بهامش ، وفهم من قوله : وطلب من الناظر أن غير الناظر من أرباب الوقف ولو مستأجرا لا تجب عليه العمارة وإن أدى عدم عمارته إلى خراب [ ص: 412 ] الوقف ( قوله : وفي غير ذلك ) أي الأرض الموقوفة

                                                                                                                            ( قوله : بآلة لنفسه ) هذا مفروض في الجدار فلو اشترك اثنان في دار انهدمت وأراد أحدهما إعادتها بآلة نفسه فإنه يمنع من ذلك كما هو مذكور في شرح الإرشاد لابن المقري ا هـ زيادي وسم على منهج نقلا عن م ر .

                                                                                                                            وينبغي أن مثل الدار المذكورة ما لو كان بينهما حش مشترك وأراد أحدهما إعادته بآلة نفسه فلا يجوز لما قيل به في الدار ( قوله لم يمنع ) ظاهره ، وإن لم يسبق امتناع من الشريك كما سيأتي في كلام هـ في قوله : وأفهم كلامه جواز إلخ ، لكن قيده حج بما إذا سبق الامتناع ، وإلا حرمت الإعادة وجاز للشريك تملكه بالقيمة أو إلزام المعيد للنقض ليعيده مشتركا كما كان

                                                                                                                            ( قوله : وينقضه إذا شاء ) وظاهر إطلاقه أنه لا يلزم المعيد أجرة الأس لشريكه ، ويحتمل خلافه حيث كان الأس يقابل بأجرة ، وهو الظاهر الذي ينبغي اعتماده

                                                                                                                            ( قوله : فهو على حاله ) أي من إعادته بعد إعادة الجدار ، ولو قيل بأنه ليس له ذلك ; لأنه إنما كان له الوضع على الأول لكونه مشتركا ، والمعاد مختص بالباني لا حق لصاحب الحمل فيه لم يبعد

                                                                                                                            ( قوله : ولو اتفق ) أي أحد الشريكين

                                                                                                                            ( قوله : لم يكن له منع الشريك إلخ ) أي وللباني نقض البناء متى شاء ; لأنه ملكه إلى آخر ما مر في الجدار

                                                                                                                            ( قوله : وأفهم كلامه ) أي قوله فإن أراد إعادة منهدم إلخ ( قوله : جواز الإقدام ) خلافا لحج

                                                                                                                            ( قوله : من الرقيق المرتضع ) أي بعد الفطام ، أما حالا فيجوز

                                                                                                                            ( قوله : ولو أعاده ) محترز قوله بالآلة المشتركة

                                                                                                                            ( قوله : أن شرط الصحة ) أي فيما لو أعاده [ ص: 413 ] بآلة أحدهما إلخ

                                                                                                                            ( قوله : وبصفات الجدران ) ولو قال لأجنبي : عمر داري بآلتك لترجع علي لم يرجع لتعذر البيع أو بآلتي لترجع علي بما صرفته رجع به كأنفق على زوجتي أو غلامي وينبغي أن له مثل أجرة عمله في الصورتين ; لأنه عمل طامعا ا هـ حج .

                                                                                                                            واستشكل سم عليه تعذر البيع هنا بعدم تعذره فيما لو أعاد الجدار أحد المالكين بآلة نفسه وشرط له الآخر ثلثي الجدار حيث صح وملك آلة المعيد ، ويمكن الجواب بأنه في مسألة الجدار إنما صح للعلم بالآلة وصفات الجدران كما قاله الرافعي ، وفي مسألة الدار لم يعلم ذلك وعليه ، فلو علمت الآلات كقوله عمر داري بآلتك هذه وعلم وصف البناء صح فالمسألتان سواء ، هذا ولا منافاة بين هذا وما ذكر في القرض من أن عمر داري لترجع علي قرض حكمي لما صرفه على العمارة فيرجع به ; لأن ما ذكر الآلة فيه لمالك الدار ، والذي يرجع عليه به هو ما صرفه ، فالعملة كأنهم وكلاء في القبض وما هنا الآلة فيه لغير المالك ، وقوله لترجع علي : أي بثمن الآلات ، وقوله : لتعذر البيع قال سم عليه لم يتعذر ، وفي هذا جمع بين بيع وإجارة ا هـ .

                                                                                                                            أقول : ويمكن أن يقال : إنما تعذر البيع لفقد شرطه وهو العلم بالمبيع ، فلا يتأتى فيه كونه بيعا حكيما وتعذرت الإجارة لعدم ورودها على منفعة معلومة لكونه لم ير ما يبني به ولا علم قدره .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : في مسألة العلو ) يعني إذا كان علو الدار لواحد وسفلها لآخر فانهدمت وطلب صاحب العلو من صاحب السفل أن يعيد سفله ليبني عليهفإن القولين يجريان فيها كما صرحوا به لكن الشارح لم يذكرها قبل . ( قوله : قال الزركشي : ) وسبقه إليه شيخه الأذرعي جاز ما به من غير بحث . ( قوله : فتجب على الشريك ) [ ص: 412 ] أي : الموقوف عليه بقرينة ما بعده أي : والصورة أن له نظرا كما لا يخفى . ( قوله : وفي غير ذلك يجبر الممتنع ) انظر ما مراده بذلك ، ولعل مراده به ما في الروض وشرحه فلتراجع عبارتهما هنا ( قول المصنف فلو أراد إعادة منهدم ) يعني خصوص الجدار فلا يجري ذلك في الدار ونحوها كما صرح به ابن المقري في تمشيته ونقله عنه الزيادي وغيره ( قوله : في الحمل عليه ) يعني الجدار ( قوله : لأنهما مستويان ) أي : فالصورة أنهما مستويان فيما أخرجاه من الأجرة [ ص: 413 ] مثلا ، وعبارة التحفة : ببدنهما أو بأجرة أخرجاها بحسب ملكيهما فلتراجع




                                                                                                                            الخدمات العلمية