الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 164 ] جماع أبواب سيرته صلى الله عليه وسلم في أكله وذكر مأكولاته

                                                                                                                                                                                                                              الباب الأول في آداب جامعة

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : في أمره صلى الله عليه وسلم من أتى له بهدية أن يأكل منها قبل أن يأكل هو صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              روى البزار والطبراني ورجال ثقات عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها للشاة التي أهديت إليه بخيبر .

                                                                                                                                                                                                                              وروى بقي بن مخلد والحميدي والحارث بن أبي أسامة عن ابن الحوتكية ، قال :

                                                                                                                                                                                                                              قدمت على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسألته عن الصيام فقال : من كان معنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة إذ أهدى الأعرابي الأرنب ؟ فقال القوم جميعا : نحن كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : حدثوا حديثه ،

                                                                                                                                                                                                                              قالوا : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة إذ أتاه أعرابي بأرنب قد شواها وأطابها ، فأهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : «كل منها» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل هدية أهديت إليه بعد الشاة التي أهديت له بخيبر حتى يأكل منها صاحبها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل منها» قال : إني صائم .


                                                                                                                                                                                                                              الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في صفة قعوده صلى الله عليه وسلم حالة الأكل .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن سعد عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل عنده : «لا آكل متكئا» أو قال : «وأنا متكئ» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن بشر رضي الله تعالى عنه قال : أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فجثا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتيه فأكل ، فقال أعرابي : ما هذه الجلسة ؟ فقال : «إن الله تعالى جعلني عبدا كريما ، ولم يجعلني جبارا عنيدا» . [ ص: 165 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تبارك وتعالى أنزل إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة ومعه جبريل فقال الملك : إن الله تعالى يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا ، وبين أن تكون ملكا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام كالمستشير فأشار جبريل بيده أن تواضع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا بل أكون عبدا نبيا» ، فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الترمذي عن عبد الله بن عبيد قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بطعام فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : يا نبي الله لو أكلت وأنت متكئ كان أهون عليك ، فأصغى بجبهته إلى الأرض حتى كاد يمس بها الأرض ، وقال : «بل آكل كما يأكل العبد وأنا جالس كما يجلس العبد ، فإنما أنا عبد» قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفز .

                                                                                                                                                                                                                              وروى سعيد بن منصور مرسلا وابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله تعالى عنه أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة يأكل متكئا فقال له : يا محمد أأكل الملوك ؟ فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال : ما رؤي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل متكئا .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في أكله صلى الله عليه وسلم متكئا وقتا يسيرا ثم تركه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك عن خباب رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل قديدا في طبق متكئا ، ثم قام إلى فخارة فيها ماء فشرب .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحارث بن أبي أسامة عن عبد الله بن سعد عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال :

                                                                                                                                                                                                                              كنت دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يأكل متكئا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني من طريق بقية وهو غير ثقة مدلس عن عمر الشامي فيجر رجاله- وبقية رجاله ثقات- عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال : لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر جعلت له مائدة فأكل متكئا وأصابته الشمس فلبس الظلة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقم أول لقمة قال : «يا واسع المغفرة» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر هدية فجعل يقسمه ، وهو محتفز يأكل منه أكلا ذريعا .

                                                                                                                                                                                                                              وفي رواية رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا مقعيا يأكل تمرا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم وأبو داود عن مصعب بن سليم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فرأيته يأكل متكئا . [ ص: 166 ]

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في أمره بتكثير المرق وإطعام الجيران صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو بكر بن أبي شيبة والإمام أحمد والبزار عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشترى لحما قال لأهله : «أكثروا المرق» ، زاد الإمام أحمد والبزار «وتعاهد جيرانك» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الثفل ، قال عباد : يعني ثفل المرق .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إذا عملت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها» .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : في أحب الطعام إليه صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو يعلى والطبراني وأبو الشيخ عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن أحب الطعام إلي ما كثرت عليه الأيدي» .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : في غسله يديه صلى الله عليه وسلم قبل الأكل .

                                                                                                                                                                                                                              روى محمد بن يحيى بن أبي عمر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل غسل يديه .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : في مائدته وسفرته صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              روى البخاري في تاريخه وأبو الشيخ عن فرقد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل على مائدته .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ، ولا خبز له مرقق ، قال يونس فقلت لقتادة : فعلام كانوا يأكلون ؟ قال على هذه السفرة قال البيهقي وأنس أخبر بما بلغه .

                                                                                                                                                                                                                              وقد روينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة الضب قال : وأكل [ ص: 167 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقط والسمن وترك الضب تقذرا ، قال ابن عباس : وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان حراما ما أكل على مائدته ، وفي هذا دليل على جوازالأكل على المائدة . ورواه الحارث بن أبي أسامة .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية