الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب السادس عشر

                                                                                                                                                                                                                              في زهده في الدنيا صلى الله عليه وسلم ، وورعه ، واختياره الفقر ، وسؤاله ربه تبارك وتعالى أن يكون مسكينا

                                                                                                                                                                                                                              قال الله سبحانه وتعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة لو شئت لسارت معي جبال الذهب» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى ، وابن عساكر ، والشيخان ، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد ، والترمذي ، وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وابن سعد وابن حبان عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عرض علي ربي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، ولكني أجوع يوما وأشبع يوما ، فإذا شبعت حمدتك ، وشكرتك ، وإذا جعت تضرعت إليك ، ودعوتك» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ، فقال : «والذي نفسي بيده ما يسرني أن أحدا يحول لآل محمد ذهبا ، أنفقه في سبيل الله ، أموت يوم أموت ما أدع منه دينارين ، إلا دينارين أعدهما لدين إن كان» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي ، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لو عندي مثل أحد ذهبا ما سرني أن يأتي علي ثلاث ليال ، وعندي منه شيء إلا شيئا أرصده لدين» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري ، وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال : «إن عبدا خيره الله تعالى أن يؤتيه من زهرة الدنيا وما عنده ، فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر ، وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، قال : فعجبنا له ، فقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ [ ص: 76 ] يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير ، وكان أبو بكر أعلمنا به .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو ذر الهروي ، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على وسادة حشوها ليف ، فقام وقد أثر بجلده ، فبكيت ، فقال : «يا أم سلمة ما يبكيك ؟ » قلت : ما أرى من أثر هذه ، فقال : «لا تبكي ، لو أردت أن تسير معي هذه الجبال لسارت» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أتتني الدنيا خضرة حلوة ، ورفعت إلي رأسها ، وتزينت لي ، فقلت لها : إني لا أريدك ، لا حاجة لي فيك ، فقالت : إنك إن نلت مني لم ينفلت مني غيرك» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، وابن حبان عن أبي هريرة ، ويعقوب بن سفيان وابن مردويه عن ابن عباس أن جبريل جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ، فنظر إلى السماء ، فإذا ملك ينزل ، فقال جبريل : إن هذا ملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة ، فلما نزل قال : يا محمد إن الله تعالى يخيرك بين أن تكون نبيا عبدا أو تكون نبيا ملكا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له ، فأشار جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تواضع لربك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بل أكون نبيا عبدا» ، قال ابن عباس : فما أكل بعد تلك طعاما متكئا حتى لقي ربه» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ، ولا يهبط على أحد بعدي ، وهو إسرافيل ، فقال : أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيرك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا ، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلي أن تواضع ، فلو أني قلت : نبيا ملكا لسارت الجبال معي ذهبا» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البرقاني وابن أبي شيبة ، وابن جرير ، عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ، ما لم يعط شيء قبلك ، ولا نعطيها أحدا بعدك ، ولا ينقصك ذلك مما عند الله شيئا ، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة ، فقال : «اجمعوها لي في الآخرة» .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 77 ] وروى ابن المبارك عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : يا رب ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، أو قال : ثلاثة ، أو نحو هذا ، فإذا جعت تضرعت إليك ، وإذا شبعت حمدتك ، وشكرتك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن المبارك والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : أحبوا المساكين ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عدي عنه أيضا قال : يا أيها الناس ، لا يحملنكم العسر على طلب الرزق من غير حله؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «اللهم توفني فقيرا ، ولا توفني غنيا ، واحشرني في زمرة المساكين ، فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، وأبو يعلى ، وتمام الرازي ، وابن عساكر وأبو داود الطيالسي ، والترمذي -وصححه- عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال : اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه ، فلما استيقظ جعلت أمسح عنه ، فقلت : يا رسول الله ألا آذنتنا فبسطت شيئا يقيك منه ، تنام عليه ، فقال : «ما لي وللدنيا ، ما أنا والدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف ، فقال تحت شجرة ثم راح وتركها» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان وأبو الحسن بن الضحاك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه ، فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر ، إلا أهب ثلاثة معلقة ، وصبرة من شعير ، فهملت عينا عمر فقال : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه ، وكسرى وقيصر فيما هما فيه ؟ فجلس محمرا وجهه ، فقال : «أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ ثم قال : أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا ، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة ؟ » قلت : بلى ، يا رسول الله ، فأحمد الله عز وجل .

                                                                                                                                                                                                                              زاد أبو الحسن بن الضحاك : يا عمر لو شاء أن يسير الجبال الراسيات معي ذهبا لسارت .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن أبي شيبة عن رجل من بني سالم أو فيهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بهدية ، [ ص: 78 ] فنظر ، فلم يجد شيئا يجعلها فيه ، فقال : «ضعه في الحضيض ، فإنما هو عبد يأكل كما يأكل العبد ، ويشرب كما يشرب العبد ، لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها ماء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري وغيره عن ابن عباس قال : خرج أبو بكر في الهاجرة إلى المسجد فسمع بذلك عمر فخرج ، فقال : يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة ؟ قال : لا ، والله ما أخرجني إلا الجوع ، فقال : أنا والذي نفسي بيده ، ما أخرجني غيره ، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ » ] فقالا : الجوع ، فقال : «أنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره» فقاموا ، فانطلقوا حتى أتوا باب أبي أيوب الأنصاري ، فذكر الحديث في إتيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر بيت أبي أيوب وذبحه لهم شاة ، وطبخه لها ، قال : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة ، ووضعه على رغيف ، وقال : «يا أبا أيوب أبلغ هذا فاطمة ، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في المسجد يتقلب على ظهر لبطن ، وأظنه جائعا . وذكر الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو الحسن بن الضحاك عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الدنيا ، ولا أعجبه شيء من أمر الدنيا إلا أن يكون ذا تقى .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد ، وأبو يعلى ، والبيهقي بسند جيد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بالشريط ، وتحت رأسه وسادة من أدم ، حشوها ليف ، فدخل عمر بن الخطاب في نفر معه ، فانحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم انحرافة ، فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبا ، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبكى عمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : والله ما أبكي إلا لكوني أعلم أنك رسول الله ، أكرم على الله من كسرى وقيصر ، وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه ، وأنت رسول الله بالمكان الذي أرى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ، ولنا الآخرة» قال : بلى ، قال : «فإنه كذلك» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : دخل عمر على [ ص: 79 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متكئ على حصير قد أثر في جنبه ، فقال : يا رسول الله لو اتخذت فراشا أدثر من هذا ، فقال : «ما لي وللدنيا ، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل في يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح وتركها» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : كنا مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إذ استسقى ، فأتي بماء وعسل ، فلما وضعه على يديه بكى وانتحب ، حتى ظننا أن به شيئا ، ولا نسأله عن شيء ، فلما فرغ قلنا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما حملك على هذا البكاء ؟ قال : بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا ، فقلت : يا رسول [الله] ما الذي أراك تدفع عن نفسك ، ولا أرى شيئا ؟ قال : «الدنيا تطلعت لي» فقلت : إليك عني ، فقال لي : «أما إنك لست بمدركي» قال أبو بكر : فشق علي ، وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولحقتني الدنيا .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية