الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثاني في سيرته صلى الله عليه وسلم في العمامة والعذبة والتلحي

                                                                                                                                                                                                                              وفيه أنواع :

                                                                                                                                                                                                                              الأول : في صفة عمامته صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                                                              قال في زاد المعاد : كانت له عمامة تسمى السحاب ، كساها عليا قلنسوة .

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبراني والبيهقي وأبو موسى المدني- وإسناده على شرط الصحيح- إلا أبا عبد السلام- وهو ثقة- عن أبي عبد السلام بن أبي حازم رحمه الله تعالى قال : قلت لابن عمر رضي الله تعالى عنهما : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم ؟ قال : كان يدير كور العمامة على رأسه يقرنها ، وفي رواية ويغرزها من ورائه ، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر قال : أخبرنا أبو سعيد بن البغدادي أخبرنا أبو المظفر محمود بن جعفر بن محمد ، ومحمد بن أحمد بن إبراهيم بن سلمة قالا : أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي ، أخبرنا أبو سمرة حدثنا : موسى بن نصر عن أبيه عن أبي هريرة عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة إلا وهو معتم ، وربما خرج في إزار ورداء ، وإن لم تكن عمامته وصل الخرقة بعضها على بعض ، واعتم بها ، ورواه ابن عدي الهيثم بن جميل عن موسى بن مطير عن أبيه عن عبد الله بن عمر ، وأبي هريرة فذكره ، قال ابن عساكر : هذا الإسناد أشبه ، وكان الأول عن أبي هريرة ، وبعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت الواو .

                                                                                                                                                                                                                              الثاني : في لبسه صلى الله عليه وسلم العمامة السوداء ، والدسمة والحرقانية وغير ذلك .

                                                                                                                                                                                                                              روى الخطابي وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم معتما بعمامة سوداء ، قد أرخى طرفها بين يديه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحارث بن أبي أسامة ، وأبو القاسم البغوي ، وابن عدي ، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء- زاد في رواية :

                                                                                                                                                                                                                              بغير إحرام .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم بعمامة سوداء . [ ص: 272 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم والأربعة والترمذي في الشمائل عن عمرو بن حريث أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء ، ولمسلم : قد أرخى طرفها بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وعليه عمامة دسمة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى النسائي عن عمر بن حريث رضي الله تعالى عنه قال : رأيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمامة حرقانية .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عدي- بسند ضعيف- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمامة سوداء يلبسها في العيدين ، ويرخيها خلفه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة مطوية ، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ، ولم ينقض العمامة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال : كانت عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء .

                                                                                                                                                                                                                              الثالث : في لبسه صلى الله عليه وسلم العمامة الصفراء وعصبه رأسه .

                                                                                                                                                                                                                              قال الإمام الغزالي في الإحياء : وربما لم تكن العمامة فيشد صلى الله عليه وسلم العصابة على رأسه ، وعلى جبهته .

                                                                                                                                                                                                                              روى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عصابة دسماء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عن الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه ، وعلى رأسه عصابة صفراء فسلمت عليه ، فقال : «يا فضل» ، قلت :

                                                                                                                                                                                                                              لبيك يا رسول الله ، قال : «اشدد بهذه العصابة رأسي» ، ففعلت ، ثم قعد ، فوضع كفه على منكبي ، ثم قام ، فدخل المسجد

                                                                                                                                                                                                                              الحديث . [ ص: 273 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحاكم والطبراني عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال : رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبين مصبوغين بزعفران : رداء وعمامة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن يحيى بن عبد الله بن مالك مرسلا قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه كلها بالزعفران : قميصه ورداءه وعمامته .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه كلها بالزعفران حتى العمامة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر من طريق سليمان بن أرقم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قميص أصفر ، ورداء أصفر ، وعمامة صفراء .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه بالصفرة .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن عساكر عن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر عليهم عمائم صفر ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة صفراء .

                                                                                                                                                                                                                              الرابع : في سيرته صلى الله عليه وسلم في العذبة .

                                                                                                                                                                                                                              روى الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسدل عمامته بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم وأبو داود وابن حبان عن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- زاد أبو داود : على المنبر- انتهى وعليه عمامة سوداء ، قد أرخى طرفها بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وعليه عمامة سوداء- زاد النسائي : قد أرخى طرف العذبة بين كتفيه . [ ص: 274 ]

                                                                                                                                                                                                                              وروى النسائي عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه قال : كأني أنظر الساعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامته السوداء ، قد أرخى طرفها بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني من طرق الحجاج بن رشدين بن سعد عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم أرسل لها ذؤابة من خلفه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني من طريق عيسى بن يونس عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالعمائم فإنها سيماء الملائكة ، وأرخوها خلف ظهوركم» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يولي واليا حتى يعممه ويرخي لها من الجانب الأيمن نحو الأذن .

                                                                                                                                                                                                                              الخامس : في سيرته صلى الله عليه وسلم في التلحي وأمره صلى الله عليه وسلم بالتلحي ونهيه عن الاقتعاط .

                                                                                                                                                                                                                              قال في زاد المعاد : كان صلى الله عليه وسلم يتلحى بالعمامة تحت الحنك انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              روى الترمذي والنسائي عن بلال رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد بسند جيد عن ابن طاوس عن أبيه إنه كان يعتم ، ولا يجعل تحت حلقه ولحيته من العمامة شيئا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى عبد الرزاق عنه أنه كان يكره أن يعتم ، ولا يجعل تحت ذقنه شيئا ، ويقول : «تلك لبسة الشيطان» .

                                                                                                                                                                                                                              السادس : لبس العمامة وإرخاء طرفها من سيماء الملائكة عليهم السلام .

                                                                                                                                                                                                                              قال الله سبحانه وتعالى : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين [آل عمران 125] ، ذكر غير واحد من المفسرين أن السومة- بضم السين- السيماء : وهي العلامة .

                                                                                                                                                                                                                              روى الطبراني بسند فيه شهر بن حوشب- حسن له الترمذي وغيره وبقية رجاله ثقات- [ ص: 275 ] عن عائشة قالت : رأيت جبريل عليه عمامة حمراء مرخيها بين كتفيه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن جرير بسند حسن عن أبي أسيد الساعدي ، وهو بدري ، قال : خرجت الملائكة يوم بدر في عمائم صفر ، قد طرحوها بين أكتافهم .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الحاكم في اللباس في مستدركه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم على برذون وعليه عمامة حمراء قد أرخى طرفها بين كتفيه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «هل رأيتيه ؟ » قلت : نعم ، قال : «ذاك جبريل عليه السلام فأمرني أن أمضي إلى بني قريظة» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أيضا عنها قالت : رأيت رجلا يوم الخندق على صورة دحية بن خليفة الكلبي على دابة يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة قد أسدلها خلفه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

                                                                                                                                                                                                                              «ذاك جبريل أمرني أن أخرج إلى بني قريظة»
                                                                                                                                                                                                                              انتهى .

                                                                                                                                                                                                                              السابع : في تعميمه صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه .

                                                                                                                                                                                                                              روى أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وابن منيع والبيهقي في الشعب عن علي رضي الله تعالى عنه قال : عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم بعمامة سدلها خلفي .

                                                                                                                                                                                                                              وروى أبو يعلى والبزار برجال ثقات ، وابن أبي الدنيا والطبراني ، والبيهقي في الزهد- وحسن إسناده أبو الحسن الهيثمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية يبعثه عليها فأصبح عبد الرحمن وقد اعتم بعمامة كراديس سوداء ، فنقضها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعممه وأرخى له أربع أصابع ، أو قريبا من شبر ، ثم قال : «هكذا فاعتم يا ابن عوف ، فإنه أعرب وأحسن» .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني من طريق مقدام بن داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عوف ، وأرخى له أربع أصابع ، قال : «إني لما صعدت إلى السماء رأيت أكثر الملائكة عليهم السلام معتمين» . [ ص: 276 ]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية