الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر قصد صاحب البصرة مدينة واسط وعوده عنها

في هذه السنة ، في العشرين من شوال ، قصد الأمير إسماعيل ، صاحب البصرة ، مدينة واسط للاستيلاء عليها .

ونحن نبتدئ بذكر إسماعيل ، وتنقل الأحوال به إلى أن ملك البصرة ، وهو إسماعيل بن سلانجق ، وكان إليه في أيام ملكشاه شحنكية الري ، ولما وليها كان أهل الري والرستاقية قد أعيوا من وليهم ، وعجز الولاة عنهم ، فسلك معهم طريقا أصلحهم بها ، وقتل منهم مقتلة عظيمة فتهذبوا بها ، وأرسل من شعورهم إلى السلطان ما عمل منه مقاود وشكلا للدواب ، ثم عزل عنها .

ثم إن السلطان بركيارق أقطع البصرة للأمير قماج ، فأرسل إليها هذا الأمير إسماعيل نائبا عنه فلما فارق قماج بركيارق ، وانتقل إلى خراسان ، حدثته نفسه بالتغلب على البصرة ، والاستبداد ، فانحدر مهذب الدولة بن أبي الجبر من البطيحة إليه ليحاربه ، ومعه معقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي ، صاحب الجزيرة الدبيسية ، فأقبلا في جمع كثير من السفن والخيل ، ووصلوا إلى مطارا .

فبينما معقل يقاتل قريبا من القلعة التي بناها ينال بمطارا ، وجددها إسماعيل وأحكمها ، أتاه سهم غرب فقتله ، فعاد ابن أبي الجبر إلى البطيحة ، وأخذ إسماعيل سفنه ، وذلك سنة إحدى وتسعين [ وأربعمائة ] ، فاستمد ابن أبي الجبر كوهرائين ، فأمده بأبي الحسن الهروي ، وعباس بن أبي الجبر ، فلقياه ، فكسرهما وأسرهما ، وأطلق عباسا على مال أرسله أبوه ، واصطلحا .

وأما الهروي فبقي في حبسه مدة ، ثم أطلقه على خمسة آلاف دينار ، فلم يصح له منها شيء .

وقوي حال إسماعيل ، فبنى قلعة بالأبلة ، وقلعة بالشاطئ مقابل مطارا ، وصار [ ص: 470 ] مخوف الجانب وأمن البصريون به ، وأسقط شيئا من المكوس ، واتسعت إمارته باشتغال السلاطين ، وملك المشان ، واستضافها إلى ما بيده .

فلما كان هذه السنة كاتبه بعض عسكر واسط بالتسليم إليه ، فقوي طمعه في واسط ، فأصعد في السفن إلى نهرابان ، وراسلهم في التسليم ، فامتنعوا من ذلك ، وقالوا : راسلناك ، وقد رأينا غير ذلك الرأي . فأصعد إلى الجانب الشرقي ، فخيم تحت النخيل ، وسفنه بين يديه ، وخيم جند واسط حذاءه ، وراسلهم ، ووعدهم ، وهم لا يجيبونه .

واتفقت العامة مع الجند ، وشتموه أقبح شتم ، فلما أيس منهم عاد إلى البصرة ، وساروا بإزائه من الجانب الآخر ، فوصل إلى العمر ، وعبر طائفة من أصحابه فوق البلد ، وهو يظن أن البلد خال ، وأن الناس قد خرجوا منه لما رأى كثرة من بإزائه ، فيوقع الحريق في البلد ، فإذا رجع الأتراك عاد هو من ورائهم ، فكان ظنه خائبا لأن العامة كانوا على دجلة ، وأولهم في البلد ، وآخرهم مع الأتراك بإزائه .

فلما عبر أصحابه عاد الأتراك عليهم ومعهم العامة ، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا ، وأسروا خلقا كثيرا ، وألقى الباقون أنفسهم في الماء ، فأتاه من ذلك مصيبة لم يظنها ، وصار أعيان أصحابه مأسورين ، وعاد إلى البصرة ، وكان عوده من سعادته ، فإنه كان قد قصد الأمير أبو سعد محمد بن مضر بن محمود ( البصرة ذلك الوقت ) ، وله أعمال واسعة ، منها : نصف عمان ، وجنابة ، وسيراف ، وجزيرة بني نفيس .

وكان سبب قصده إياها أنه كان قد صار مع إسماعيل إنسان يعرف بجعفرك ، وآخر اسمه زنجويه ، والثالث بأبي الفضل الأبلي ، فأطمعوه في أن يعمل مراكب يرسل فيها مقاتلة في البحر إلى أبي سعد هذا وغيره ، فعمل نيفا وعشرين قطعة ، فلما علم أبو سعد الحال أرسل جماعة كثيرة من أصحابه في نحو خمسين قطعة ، فأتوا إلى دجلة البصرة وذلك في السنة الخالية ، فأقاموا بها محاربين ، وظفروا بطائفة من أصحاب إسماعيل ، [ ص: 471 ] وقتلوا صاحب قلعة الأبلة ، وكاتبوا بني برسق بخوزستان يطلبون أن يرسلوا عسكرا ليساعدوهم على أخذ البصرة ، فتمادى الجواب ، وركن الطائفتان إلى الصلح ، على أن يسلم إليهم إسماعيل جعفرك ورفيقه ، ويقطعهم مواضع ذكروها من أعمال البصرة .

فلما رجعوا لم يفعل شيئا من ذلك ، وأخذ مركبين لقوم من أصحاب أبي سعد ، فحمله ذلك على أن سار بنفسه في قطع كثيرة تزيد على مائة قطعة بين كبيرة وصغيرة ، ووصل إلى فوهة نهر الأبلة .

وخرج عسكر إسماعيل في عدة مراكب ، ووقع القتال بينهم ، وكان البحريون في نحو عشرة آلاف ، وإسماعيل في سبعمائة ، وأصعد البحريون في دجلة ، فأحرقوا عدة مواضع ، وتفرق عسكر إسماعيل ، فبعضه بالأبلة ، وبعضه بنهر الدير ، وبعضه في مواضع أخر .

فلما ضعف إسماعيل عن مقاومة أبي سعد طلب من وكيل الخليفة ، على ما يتعلق بديوانه من البلاد ، أن يسعى في الصلح ، فأرسل إليه في ذلك ، فأعاد الجواب يذكر قبح ما عامله به إسماعيل مرة بعد أخرى ، وتكررت الرسائل بينهم ، فأجاب إلى الصلح ، فاصطلحا ، واجتمعا ، وعاد أبو سعد إلى بلاده ، وحمل كل واحد منهما لصاحبه هدية جميلة .

التالي السابق


الخدمات العلمية