الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر قتل قلج أرسلان وملك جاولي الموصل

قد ذكرنا أن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين سار جاولي عن الموصل إلى [ ص: 540 ] سنجار ، ثم إلى الرحبة ، فوصلها في رجب ، وحصرها إلى الرابع والعشرين من شهر رمضان ، وكان صاحبها يعرف بمحمد بن السباق ، وهو من بني شيبان ، رتبه بها الملك دقاق لما فتحها ، وأخذ ولده رهينة ، وحمله معه إلى دمشق ، فلما توفي أرسل هذا الشيباني قوما سرقوا ولده وحملوه إليه ، فلما وصل إليه خلع الطاعة للدمشقيين ، وخطب في بعض الأوقات لقلج أرسلان . فلما وصل إليها جاولي وحصرها ، أرسل إلى الملك رضوان يعرفه أنه على الاجتماع به ومساعدته على من يحاربه ، ويشرط عليه أنه إذا تسلم البلاد سار معه ليكشف الفرنج عن بلاده ، فلما استقرت القاعدة بينهما حضر عنده رضوان ، فاشتد الحصار على أهل البلد ، وضاقت عليهم الأمور .

واتفق جماعة كانوا بأحد الأبراج ، وأرسلوا إلى جاولي ، واستحلفوه على حفظهم وحراستهم ، وأمروه أن يقصد البرج الذي هم فيه عند انتصاف الليل ، ففعل ذلك ، فرفع من في البرج أصحابه إليهم في الحبال ، فضربوا بوقاتهم وطبولهم ، فخذل من في البلد ، ودخل أصحاب جاولي في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان ، ونهبوه إلى الظهر ، ثم أمر برفع النهب ، ونزل إليه محمد الشيباني صاحب البلد ، وأطاعه ، وصار معه .

ثم إن قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جاولي سقاوو ليحاربه ، وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة ، وعمره إحدى عشرة سنة ، ومعه أمير يدبره ، وجماعة من العسكر ، وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدة الكاملة والخيل الجيدة .

وسمع العسكر بقوة جاولي ، فاختلفوا ، وكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال ، صاحب آمد ، فإنه فارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده ، وكذلك غيره ، وعمل قلج أرسلان على المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثرة جموعه ، وأرسل إلى بلاده يطلب عسكره لأنها كانت عند ملك الروم نجدة له على قتال الفرنج ، كما ذكرناه ، فلما وصل إلى الخابور بلغت عدته خمسة آلاف . وكان مع جاولي أربعة آلاف ، من جملتهم الملك رضوان ، وجماعة من عسكره ، إلا أن شجعانه أكثر ، واغتنم جاولي قلة عسكر قلج أرسلان ، فقاتله قبل وصول عساكره إليه ، فالتقوا في العشرين من ذي القعدة ، فحمل قلج أرسلان على القوم بنفسه ، حتى خالطهم ، فضرب يد صاحب العلم فأبانها ، ووصل إلى جاولي بنفسه ، فضربه بالسيف ، [ ص: 541 ] فقطع الكزاغند ولم يصل إلى بدنه ، وحمل أصحاب جاولي على أصحابه فهزموهم ، واستباحوا ثقلهم وسوادهم . فلما رأى قلج أرسلان انهزام عسكره علم أنه إن أسر فعل به فعل من لم يترك للصلح موضعا ، لا سيما وقد نازع السلطان في بلاده ، واسم السلطنة ، فألقى نفسه في الخابور ، وحمى نفسه ، من أصحاب جاولي بالنشاب ، فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق ، وظهر بعد عدة أيام فدفن بالشمسانية وهي من قرى الخابور .

وسار جاولي إلى الموصل ، فلما وصل إليها فتح أهلها له بابها ، ولم يتمكن من بها من أصحاب قلج أرسلان من منعهم ، ونزل بظاهر البلد ، وأخذ كل واحد من أصحاب جكرمش الذين حضروا الوقعة مع قلج أرسلان إلى جهة ، فلما ملك جاولي الموصل أعاد خطبة السلطان محمد ، وصادر جماعة من بها من أصحاب جكرمش ، وسار إلى جزيرة ابن عمر ، وبها حبشي بن جكرمش ، ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه غزغلي ، فحصره مدة ، ثم إنهم صالحوه ، وحملوا إليه ستة آلاف دينار ، وغيرها من الدواب والثياب ، ورحل عنهم إلى الموصل ، وأرسل ملكشاه بن قلج أرسلان إلى السلطان محمد .

التالي السابق


الخدمات العلمية