الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَلَمَّا كَانَ اسْمُهُ "الْقَيُّومُ" يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا ، وَهُوَ قَيُّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُقِيمُ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْقِيَامِ ، فَهُوَ قَائِمٌ بِالْقَيِّمِ الَّذِي أَقَامَهُ ، كَمَا أَنَّ لَهُ قَدْرًا بِالْخَلْقِ ، فَإِنَّ اسْمَهُ "الْخَالِقَ" يَقْتَضِي الْإِبْدَاعَ وَالتَّقْدِيرَ ، فَقَالَ : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ، وَقَالَ : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . وَإِذَا كَانَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَخْلُوقٍ قِيَامٌ وَقَدْرٌ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ ، وَمَنْ قَالَ : الْعَرَضُ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ . فَإِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ يُثْبِتُونَ شَيْئًا لَا تَتَمَيَّزُ يَمِينُهُ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ بِالْحِسِّ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وُجُودُهُ ، فَإِنَّ وُجُودَ مَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ مُمْتَنِعٍ ، وَإِنَّمَا يَفْرِضُونَهُ فِي الذِّهْنِ . وَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا قَدْرَ لَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ، فَمَا لَا قَدْرَ لَهُ لَمْ يُخْلَقْ ، بَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ . وَمَا يَفْرِضُهُ أَهْلُ الْهَنْدَسَةِ مِنْ نُقْطَةٍ مُجَرَّدَةٍ وَخَطٍّ مُجَرَّدٍ وَسَطْحٍ مُجَرَّدٍ ، هِيَ أُمُورٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ وَاللِّسَانِ ، لَا تُوجَدُ مُجَرَّدَةً فِي الْخَارِجِ ، بَلْ لَا تُوجَدُ إِلَّا نُقْطَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِثْلُ نُقْطَةِ الْمَاءِ وَالْحِبْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ جَانِبٌ عَنْ جَانِبٍ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ، وَقَوْلِهِ : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الْمَوْجُودَاتِ الْعَيْنِيَّةِ وَمُعَلِّمُ الصُّوَرِ الذِّهْنِيَّةِ ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : الْمَعْدُومُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، بَلْ ثُبُوتُهُ قَدِيمٌ . وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : الْمَاهِيَّاتُ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ . وَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْأَذْهَانِ بِمَا فِي الْأَعْيَانِ ، فَأَخْرَجُوا بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لَهُ . وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَنَّ كُلَّ مَا يُقَدَّرُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا فِي الْأَعْيَانِ وَالْمَوْجُودِ الْخَارِجِ ، أَوْ فِي الْعِلْمِ وَالْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ هَذَا وَمُعَلِّمُ هَذَا ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ أَصْلًا عَنْ تَخْلِيقِهِ وَتَعْلِيمِهِ ، بَلْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَقَدَّرَ فَهَدَى ، وَقَالَ : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . فَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَيُّومُهُ ، وَكُلُّ مَا أَقَامَهُ الْقَيُّومُ فَلَهُ قِيَامٌ ، وَالْحَرَكَةُ وَإِنْ وُجِدَتْ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ لُبْثٍ ، لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تُعْدَمَ قَبْلَ أَنْ تَلْبَثَ زَمَنًا مِنَ الْأَزْمَانِ ، وَقَيُّومُ السَّمَاوَاتِ هُوَ الْخَالِقُ الَّذِي يُبْدِعُهُ وَيَجْعَلُ لَهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ ، فَجَعَلَ لِلْأَعْيَانِ قَدْرًا ، وَلِلْحَرَكَاتِ قَدْرًا ، وَلِزَمَانِهَا قَدْرًا ، وَبَعْضُ ذَلِكَ يُطَابِقُ بَعْضًا ، فَإِنَّ الزَّمَانَ مُسَاوِقٌ لِلْحَرَكَةِ ، وَالْحَرَكَةُ هِيَ مَبْدَأُ الْأَحْدَاثِ . قَالَ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ، وَالْإِيلَاجُ هُوَ بِسَبَبِ الْحَرَكَةِ الْحَوْلِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ اخْتِلَافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَكْوِيرَ اللَّيْلِ عَلَى النَّهَارِ وَتَكْوِيرَ النَّهَارِ عَلَى اللَّيْلِ هُوَ بِسَبَبِ الْحَرَكَةِ الْيَوْمِيَّةِ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، وَهُوَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا . فَذَكَرَ أَنَّهُ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ فَلْقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، فَإِنَّهُ بِسَبَبِ فَلْقِهِ الْإِصْبَاحَ وَجَعْلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ يَتِمُّ مَا يَخْلُقُهُ وَيَنْمُو وَيَحْصُلُ مَصْلَحَتُهُ ، ثُمَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِتَسْخِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَجَعْلِهِمَا بِحِسَابٍ عَلَى وَفْقِ الْعَدْلِ فِي الْحِكْمَةِ ، لَا يَتَقَدَّمُ شَيْءٌ عَلَى وَقْتِهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ شَيْءٌ عَنْ أَجَلِهِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَسُوقُ الْمَقَادِيرَ إِلَى الْمَوَاقِيتِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية