الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَلِهَذَا قَالَ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَسَنِّنَةِ: إِنَّ الظُّلْمَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، كَمَا يَقُولُ الْعَرَبُ : "مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ " أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَهَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَهَذَا الْحَدُّ أَسْلَمُ مِنَ الْأَوَّلِ الَّذِي تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ، لَكِنْ فِيهِ إِجْمَالٌ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ مَوْضِعِ الشَّيْءِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الظُّلْمُ تَرْكُ الْحَقِّ. وَلَكِنَّ هَذَا الْإِجْمَالَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا سَدِيدًا، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْعَامَّ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ إِلَّا بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْجَامِعَةِ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ فِيهِ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ: "إِضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ "، فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: "إِضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ " فِيهِ مِنَ الْإِجْمَالِ نَحْوُ هَذَا، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ الْمُضَادِّ لِلظُّلْمِ. فَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنَ الْحَدَّيْنِ مَوْقُوفًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَكَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْجَامِعَ لِلْمَعْنَيَيْنِ، كَانَ أَحْكَمَ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: الظُّلْمُ نَقْصُ الْحَقِّ أَوِ النَّقْصُ عَنِ الْوَاجِبِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، مُسْتَشْهِدِينَ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا أَيْ لَمْ تَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئًا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَظَاهِرُهُ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ أَحَدَ نَوْعَيِ الظُّلْمِ، وَهُوَ تَرْكُ الْوَاجِبِ، وَقَدْ يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ، وَهُوَ تَعَدِّي الْحَدِّ، فَإِنَّ مَنْ تَعَدَّى الْحَدَّ لَا بُدَّ أَنْ يَنْقُصَ حَقَّ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ، فَنَقْصُ الْحَقِّ مُلَازِمٌ لِمُسَمَّى الظُّلْمِ، وَهُوَ فَسَادُ الْحَدِّ الثَّانِي فِي الْعُمُومِ، فَإِنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ نَقْصٌ وَخُلُوٌّ لِمَوْضِعِهِ مِنْهُ. وَرُبَّمَا يُقَالُ: هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ لِأَنَّ نَقْصَ الْحَقِّ قَدْ يَكُونُ تَرْكًا لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ نَقْلًا لَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَكُونُ إِلَّا أَمْرًا مَوْجُودًا ثَابِتًا، وَإِنِ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ أُمُورٍ أُخْرَى، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ، فَإِذَا لَمْ يُوضَعُ فِي مَوْضِعِهِ وُضِعَ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ الظُّلْمُ. أَمَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ حَقًّا مُرَتَّبًا وَأَمْرًا وُجُودِيًّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلًا، فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ ظُلْمٌ وَلَا إِنَّهُ غَيْرُ ظُلْمٍ. وَهَذِهِ مَعَانٍ فِيهَا دِقَّةٌ، قَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَى أَصْلِهَا فِي "قَاعِدَةِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَتَعَلُّقِهِمَا بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ "، فَقَدْ عَادَ مَعْرِفَةُ الظُّلْمِ مُفْتَقِرًا إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ. وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَلَى مَعْنَى الْحَقِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّهُ يُعْنَى بِهِ الْمَوْجُودُ تَارَةً وَمَا يَسْتَحِقُّ الْوُجُودَ، أَيْ أَنْ يُوجَدَ مِنَّا فِعْلُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ الْمَانِعُ أُخْرَى. فَفِي الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ الْحَقُّ هُوَ الثَّابِتُ وَالْعِلْمُ بِهِ وَالْخَبَرُ عَنْهُ. وَفِي الْكَلَامِ الطَّلَبِيِّ الْحَقُّ هُوَ مَا يُبْتَغَى وُجُودُهُ أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ الْوُجُودَ كَالنَّافِعِ لِلْعَبْدِ، وَهُوَ الْخَيْرُ وَهُوَ الْحَقُّ وَإِرَادَتُهُ وَالْأَمْرُ بِهِ، الْبَاطِلُ يُضَادُّهُ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ" ، أَيْ أَنَّ اللَّهْوَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ لَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأُمُورِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية