الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَقَدْ وُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى السُّجُودِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، فَإِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ- كَمَا قَدَّمْنَا- كِلَاهُمَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْآخَرِ [عِنْدَ] الِانْفِرَادِ، وَإِنْ مُيِّزَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْجَمْعِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الرُّكُوعُ، لِأَنَّ السَّاجِدَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُهُ الدُّخُولُ لِذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: سَجَدَتِ النَّخْلَةُ، إِذَا مَالَتْ، فَهَذَا إِدْخَالُ الرُّكُوعِ فِي مُسَمَّى السُّجُودِ، فَإِنَّهُ مَبْدَؤُهُ وَأَوَّلُهُ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ: وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ، وَإِنَّمَا هُوَ سُجُودٌ بِالْأَرْضِ، كَمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: "سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا"، فَإِنَّ الرُّكُوعَ يَحْصُلُ بِالِانْحِنَاءِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الْأَرْضِ زِيَادَةٌ فِيهِ. وَيُعَبَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ تَارَةً بِلَفْظِ الرُّكُوعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ، وَقَوْلِهِ: اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ . وَلِهَذَا إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ فِي آخِرِ السُّورَةِ أَجْزَأَ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنَ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ، كَمَا يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ هَلِ الْمُجْزِئُ عَنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ هُوَ الرُّكُوعُ أَوْ سُجُودُ الصُّلْبِ أَوْ كِلَاهُمَا؟ فِيهِ نِزَاعٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَصْلَ الْكَلَامِ أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ- كَقَوْلِهِ: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا - هُوَ أَمْرٌ بِرُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا يَقْرِنُ بَعْضَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ بِبَعْضٍ- كَمَا قَرَنَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالسُّجُودِ، وَبَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ- فَإِنَّهُ يَقْرِنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، كَمَا قَرَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّبْرِ الدَّاخِلِ فِي الْجِهَادِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ، وَقَدْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ الْآيَةُ ، وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى: عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية