الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَقَالَ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا" كَمَا ذَكَرَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالصِّيَامِ، فَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجِبُ الْإِطْعَامُ قَبْلَ التَّمَاسِّ كَمَا يَجِبُ الْإِعْتَاقُ وَالصِّيَامُ، أَمْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ تَقْدِيمِهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرِينَ، وَالْآخَرُ يُحْكَى عَنْ مَالِكٍ. وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَطْلَقَ الْإِطْعَامَ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ كَمَا قَيَّدَ الصِّيَامَ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ. وَفِي الْعِتْقِ أَيْضًا قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، فَالشَّافِعِيُّ يَشْتَرِطُ الْإِيمَانَ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ، وَكَذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَشْتَرِطُهُ، فَصَارَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ فِي الْعِتْقِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ التَّقْدِيمُ فِي الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ فِي الثَّلَاثِ: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا"؛ لِأَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانٌ لَهُ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الصِّيَامِ: "ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ"؛ لِأَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانٌ لَهُ، وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّمَاسَّ فِي الصِّيَامِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِذِكْرِهِ فِي الْعِتْقِ، لِأَنَّ فِي الصِّيَامِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَيَتَأَخَّرُ التَّمَاسُّ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ لَظَنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ فِي الْعِتْقِ وَجَبَ التَّقْدِيمُ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ يَسِيرٌ، يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْتِقَ ثُمَّ يَطَأَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيَتَأَخَّرُ الْوَطْءُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَفِي هَذَا مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا يُفْهَمُ هَذَا مِنْ مُجَرَّدِ تَقْيِيدِهِ فِي الْعِتْقِ، فَلِهَذَا أُعِيدَ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ. وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ دُونَ الْإِعْتَاقِ وَدُونَ الصِّيَامِ، وَقَدْ جُعِلَ بَدَلًا عَنْهُ، فَإِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْفَاضِلَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى الْوَطْءِ، وَالْمَرْأَةُ مُحَرَّمَةٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَلَأَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ الْمُؤَخَّرَةُ الْمَفْضُولَةَ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى; فَإِنَّ الظِّهَارَ أَوْجَبَ تَحْرِيمَهَا إِلَى التَّكْفِيرِ بِالْكَفَّارَةِ الْمُقَدَّمَةِ، فَكَيْفَ يُبِيحُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ إِذَا كَفَّرَ بِالْكَفَّارَةِ الْمَفْضُولَةِ الْمُؤَخَّرَةِ؟. هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ تَنْبِيهِ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَشْرَعُ مِثْلَهُ، فَكَانَ إِعَادَةُ ذِكْرِهِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِبَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَفَصَاحَتِهِ وَحُسْنِ بَيَانِهِ، بَلْ نَفْسُ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ - وَهُوَ الْأَصْلُ الْمُبْدَلُ مِنْهُ - يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا قَبْلَ الْبَدَلِ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَتَقْدِيمُ الْإِطْعَامِ عَلَى التَّمَاسِّ أَسْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ الصِّيَامِ. وَهُوَ فِي الْإِعْتَاقِ قَالَ: ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، وَلَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا كَذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يُوعَظُونَ بِالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، كَمَا يُوعَظُونَ بِالْإِعْتَاقِ. وَالْوَعْظُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ بِتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، فَهُمْ يُوعَظُونَ بِالتَّحْرِيمِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، أَيْ: يُنْهَوَنَ بِهِ وَيُزْجَرُونَ بِهِ عَنِ الظِّهَارِ، فَإِنَّ الظِّهَارَ مُحَرَّمٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا عَلِمَ الْمُتَظَاهِرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُكَفِّرَ، كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَعِظُهُ، فَيَنْهَاهُ وَيَزْجُرُهُ أَنْ يَتَظَاهَرَ مِنْهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وَالْحُدُودُ هِيَ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْحَدُّ إِمَّا آخِرُ الْحَلَالِ وَإِمَّا أَوَّلُ الْحَرَامِ، فَلِهَذَا قِيلَ فِي الْأَوَّلِ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ، وَقِيلَ فِي الثَّانِي: فَلَا تَقْرَبُوهَا . وَقَدْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ هَنَا مُحَرَّمٌ لَهُ حَدٌّ، وَقَوْلُهُ "وَتِلْكَ" إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ كُلِّهِ، فَلَوْ كَانَتْ لَا تَحْرُمُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ طَعَامًا لَمْ يَكُنْ هُنَا حَدٌّ، بَلْ كَانَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَدٌّ يُنْهَى عَنْ تَعَدِّيهِ أَوْ قُرْبَانِهِ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا إِنْ كَانَ تَقْدِيرُهُ: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا" فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْكَفَّارَاتُ، وَثَبَتَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا تَقْدِيرَهُ، بَلْ قَوْلُهُ "فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا" إِيجَابٌ لِلْإِطْعَامِ، لَمْ يُعْلَمْ مَتَى يَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِطْعَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: "فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا بَعْدَ التَّمَاسِّ". فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ إِذَا وَطِئَهَا. قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ يَجِبُ بَعْدَ الْوَطْءِ لَا قَبْلَهُ، بَلِ اللَّفْظُ إِنْ كَانَ مُطْلَقًا كَمَا زَعَمُوهُ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ، لَا عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا. وَهَذَا غَلَطٌ يُنَزَّهُ الْقُرْآنُ عَنْهُ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا اقْتَضَى إِيجَابَ الْإِطْعَامِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْوُجُوبِ إِلَى بَعْدِ التَّمَاسِّ، فَيَبْقَى الْإِيجَابُ يَتَنَاوَلُ الْحَالَيْنِ، مَا قَبْلَ التَّمَاسِّ وَمَا بَعْدَهُ، فَهُوَ وَاجِبٌ قَبْلَ التَّمَاسِّ، فَإِنْ لَمْ يُفَرَّقِ الْوَاجِبُ حَتَّى تَمَاسَّا فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا مَعَ قَوْلِهِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ وَلَهُ مُنْتَهًى كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ، فَمَبْدَؤُهُ إِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَمُنْتَهَاهُ إِذَا وَطِئَ. وَقَوْلُهُ "ثُمَّ يَعُودُونَ" لَمْ يُرَدْ بِهِ تَوْقِيفُ الْكَفَّارَةِ عَلَى تَمَامِ الْعَوْدِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَوْدِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا". بَلْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَوْدِ بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ، قَبْلَ إِتْمَامِهِ بِالْوَطْءِ. وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ "ثُمَّ يَعُودُونَ" مَعَ قَوْلِهِ "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا"، فَهُوَ إِنَّمَا أَوْجَبَ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ بَعْدَ هَذَا الْعَوْدِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ إِذَا شُرِعَ فِي الْعَوْدِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَمَامُ الْعَوْدِ، وَإِلَّا لَزِمَ اخْتِلَافُ مَعْنَى الْعَوْدِ فِي الْآيَةِ. وَأَيْضًا فَالْكَفَّارَاتُ هِيَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَاتِ، كَمَا أَنَّ الْحُدُودَ هِيَ عُقُوبَاتٌ، وَهِيَ أَيْضًا عِبَادَاتٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ، أَيْ تُزْجَرُونَ بِهِ، وَتُنْهَوْنَ بِهِ، وَتُعَاقَبُونَ بِهِ، وَقَدْ جُعِلَ مِنْ تَمَامِ الْعُقُوبَةِ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يُكَفِّرَ، فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى الْمُكَفِّرِ بِالْإِطْعَامِ زَالَتِ الْعُقُوبَةُ الْوَاجِبَةُ بِالتَّحْرِيمِ، لَاسِيَّمَا وَالتَّكْفِيرُ.. .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية