الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
رِسَالَةٌ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا يَسْأَلْ عَنْهُ" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَأَطْعَمَهُ طَعَامًا، فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَإِنْ سَقَاهُ شَرَابًا مِنْ شَرَابِهِ فَلْيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ وَلَا يَسْأَلْهُ عَنْهُ". هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ مَشْهُورُونَ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ وَثَّقَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ ابْنُ عِجْلَانَ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا. وَقَدْ رَأَيْتُ لِلشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ رِسَالَةً أَمْلَاهَا حِينَ بَلَغَهُ -وَهُوَ بِشَاطِبَةَ- أَنَّ قَوْمًا عَابُوهُ بِأَكْلِ طَعَامِ السَّلَاطِينِ وَقَبُولِ جَوَائِزِهِمْ: قُلْ لِمَنْ يُنْكِرُ أَكْلِي لِطَعَامِ الْأُمَرَاءِ أَنْتَ مِنْ جَهْلِكَ هَذَا فِي مَحَلِّ السُّفَهَاءِ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّالِحِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ هُوَ مِلَاكُ الدِّينِ، فَقَدْ كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ -وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ- يَقْبَلُ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ يَزِيدَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ وَرَعِهِ وَفَضْلِهِ يَقْبَلُ هَدَايَا صِهْرِهِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَيَأْكُلُ طَعَامَهُ وَيَأْخُذُ جَوَائِزَهُ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ غَيْرَ مُخْتَارٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -وَكَانَ قَدْ مُلِئَ عِلْمًا مِنْ قَرْنِهِ إِلَى مَشَاعِبِهِ- لِرَجُلٍ سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارًا يَعْمَلُ الرِّبَا، وَلَا يَجْتَنِبُ فِي مَكْسَبِهِ الْحَرَامَ، يَدْعُونِي إِلَى طَعَامِهِ إِذَا جِئْتُ، فَقَالَ: لَكَ الْمَهْنَأُ وَعَلَيْهِ الْمَأْثَمُ مَا لَمْ تَعْلَمِ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ حَرَامًا. وَسُئِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ فَقَالَ: لَحْمُ ظَبْيٍ ذَكِيٍّ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ -وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ- يُؤَدِّبُ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَيَقْبَلُ جَوَائِزَهُ، وَيَأْكُلُ طَعَامَهُ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -مَعَ زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ- وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ -حَاشَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ- يَقْبَلُونَ جَوَائِزَ السَّلَاطِينِ وَالْأُمَرَاءِ. وَقَبِلَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ جَائِزَةَ ابْنِ هُبَيْرَةَ لَمَّا سَأَلَهُمَا عَنْ حَالِهِ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ فَضْلِهِ وَوَرَعِهِ يَقُولُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صِلَاتِ الْإِخْوَانِ، لِأَنَّ الْإِخْوَانَ يَمُنُّونَ وَالسُّلْطَانُ لَا يَمُنُّ. وَمِثْلُ هَذَا عَنِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ كَثِيرٌ، وَقَدْ جَمَعَ النَّاسُ فِيهِ أَبْوَابًا، وَلِأَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ فَقِيهِ الْأَنْدَلُسِ وَعَالِمِهَا فِي ذَلِكَ كِتَابٌ حَمَلَهُ عَلَى جَمْعِهِ وَوَضْعِهِ طَعْنُ أَهْلِ بِلَادِهِ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ جَوَائِزَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ إِذْ نَقَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ بِقُرْطُبَةَ، وَأَسْكَنَهُ دَارًا مِنْ دُورِ الْجَامِعِ قُرْبَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الرِّزْقَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْإِدَامِ وَالنَّاضِّ. وَلَهُ وَلِمِثْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَظٌّ، وَالْمَسْئُولُ عَنِ التَّخْلِيطِ فِيهِ هُوَ السُّلْطَانُ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَكَ الْمَهْنَأُ وَعَلَيْهِ الْمَأْثَمُ لِمَا لَمْ تَعْلَمِ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ حَرَامًا. وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مَا لَمْ تَعْلَمِ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ حَرَامًا مَأْخُوذًا مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، كَالْخُبْزَةِ وَشِبْهِهَا مِنَ الطَّعَامِ وَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَبِيعَةِ غَصْبًا أَوْ سَرِقَةً، أَوْ مَأْخُوذَةً بِظُلْمٍ بَيِّنٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، فَهَذَا الَّذِي لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي تَحْرِيمِهِ وَسُقُوطِ عَدَالَةِ مُسْتَحِلِّ الْحُلَّةِ وَأَخْذِهِ وَتَمَلُّكِهِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ تَوَرَّعَ عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ بِالْمَدِينَةِ وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ بِالْبَصْرَةِ، وَهُمَا قَدْ ذَهَبَا مَثَلًا بِالْوَرَعِ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُمَا فِي ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَهْلُ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالتَّقَشُّفِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية