الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ إِذَا كَانَ يُحِبُّ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِهِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوِ اسْتِحْبَابٍ، أَمْرًا يُيَسِّرُ أَسْبَابَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ بِهِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِذَا كَانَ يَكْرَهُهُ فَهُوَ يَنْهَى عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وَالنِّكَاحُ فِي الْأَصْلِ حَسَنٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ الْإِبَاحَةُ، لَا يُنْهَى عَنْهُ إِلَّا لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ: كَالْعَجْزِ عَنْ وَاجِبَاتِهِ أَوِ الاشْتِغَالِ بِهِ عَمَّا هُوَ أَوْجَبُ مِنْهُ، كَمَا إِذَا تَعَارَضَ الْحَجُّ الْمُتَعَيَّنُ وَالنِّكَاحُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْحَجُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالطَّلَاقُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ كَمَا قَدْ عُرِفَ، فَالَّذِي يُنَاسِبُ ذَلِكَ تَيْسِيرُ حُصُولِ النِّكَاحِ وَتَشْدِيدُ حُصُولِ الطَّلَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، فَأَمَرَ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى مَا يُحِبُّ، وَنَهَى عَنِ التَّعَاوُنِ عَلَى مَا يَكْرَهُ. وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ يَعْكِسُونَ الْأَمْرَ، فَتَجِدُهُمْ يُشَدِّدُونَ النِّكَاحَ وَيُصَعِّبُونَ صِحَّتَهُ، فَلَا يُوقِعُونَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ إِلَّا بِشَرَائِطَ كَثِيرَةٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ لَفْظَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، وَهُوَ الْإِنْكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ; وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ عَدْلًا; وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ حُضُورَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ مُبَرَّزَيْنِ; وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ فِي صِحَّتِهِ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْيَسَارِ وَالصِّنَاعَةِ وَالْحُرِّيَّةِ; وَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَقِبَ التَّلَفُظِّ بِالْإِيجَابِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَنَحْوُهَا لَا أَصْلَ لَهَا، بَلِ الْأُصُولُ وَالنُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ اشْتِرَاطِهَا. ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ يُشَدِّدُونَ فِي انْعِقَادِهِ، وَيُعِيدُونَ اللَّفْظَ عَلَى الْعَامِّيِّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَيَزِيدُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ أُمُورًا مِنْ جِنْسِ الْوَسْوَاسِ الَّذِي يَزِيدُونَهُ فِي نِيَّاتِ الْعِبَادَاتِ. ثُمَّ الطَّلَاقُ الَّذِي يُبَغِّضُهُ اللَّهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ تَجِدُهُمْ سِرَاعًا إِلَى وُقُوعِهِ، فَيُوقِعُونَهُ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْحَالِفِ الْحَانِثِ النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ وَالْجَاهِلِ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ. هَذَا مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ يُضَيِّقُ إِيقَاعَهُ، فَنَهَى عَنْ إِيقَاعِهِ فِي الْحَيْضِ وَفِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ، وَعَنْ إِيقَاعِ الثَّلَاثِ جُمْلَةً، بَلْ أَمَرَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ إِلَّا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، وَلَا يُرْدِفَهَا بِطَلَاقٍ حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي رَجْعَتِهَا. وَهَذَا مِنَ الشَّارِعِ تَضْيِيقٌ لِوُقُوعِهِ. وَالنِّكَاحُ يُشْرَعُ وَقْتَ حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَنِفَاسِهَا وَصَوْمِهَا وَاعْتِكَافِهَا وَصَوْمِ الرَّجُلِ وَاعْتِكَافِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ مُتَعَذِّرًا، وَيُشْرَعُ فِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ. فَالْوَاجِبُ مَنْعُ وُقُوعِ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ إِلَّا حَيْثُ يَكُونُ فِي وُقُوعِهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَتَيْسِيرُ وُقُوعِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي وُقُوعِهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، وَحَيْثُ لَا تَكُونُ مَصْلَحَةُ وُقُوعِهِ رَاجِحَةً فَالْأُصُولُ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يُوقِعُ إِلَّا مَا تَكُونُ مَصْلَحَتُهُ مَحْضَةً أَوْ رَاجِحَةً، وَمَا كَانَ مَفْسَدَتُهُ مَحْضَةً أَوْ رَاجِحَةً فَإِنَّهُ يَرْفَعُهُ وَلَا يُوقِعُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ مُصَنِّفِهِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدِ ابْنِ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. قُوبِلَ بِالْأَصْلِ بَعْدَ نَقْلِهِ مِنْهُ) . * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية