الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مَسْأَلَةٌ فِي قَصْدِ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقُبُورِ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالنَّذْرِ لَهَا وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ مَا يَقُولُ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ تَقِيُّ الدِّينِ -أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي مَشْهَدٍ فِيهِ شَرِيفٌ مَدْفُونٌ مِنْ أَوْلَادِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَهُ لِيُصَلُّوا عِنْدَهُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَيُنْذِرُونَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْصِدُ الْبَرَكَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِمَّا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ. فَهَلْ هُمْ مُصِيبُونَ أَمْ مُخْطِئُونَ؟ وَهَلْ لَهُمْ أَجْرٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُثَابُ مَنْ يَتَصَدَّقُ أَوْ يَبَرُّ قَيِّمَ الْمَشْهَدِ الْمَذْكُورِ أَوِ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَقْعُدُونَ عِنْدَ الْمَشْهَدِ الْمَذْكُورِ؟ وَأَيْضًا يَقْعُدُ فِي الْمَشْهَدِ قُرَّاءٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بِلَا أُجْرَةٍ مِنَ الْعِشَاءِ إِلَى بَكْرَةٍ، فَهَلْ يُؤْجَرُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لِلْمَيِّتِ أَجْرٌ بِاسْتِمَاعِهِ الْقُرْآنَ أَمْ لَا؟ وَالَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ فِي التُّرَبِ بِالْأُجْرَةِ وَفِي الْخِتَمِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا، مِثْلَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الثَّالِثَ وَالسَّابِعَ وَتَمَامَ الشَّهْرِ وَتَمَامَ الْحَوْلِ، وَيُنْشِدُونَ الْأَشْعَارَ الْفُرَاقِيَّاتِ لِيَبْكِيَ أَهْلُ الْمَيِّتِ، وَيُنَقِّطُوهُ بِالْفِضَّةِ، وَالْوُعَّاظِ أَيْضًا وَالَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ حَتَّى يُتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، فَمَا حُكْمُهُمْ؟ وَالْحَدِيثُ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ: إِنَّمَا كَانَتْ يَهُودِيَّةً، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ بِهَذَا" وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. وَإِذَا كَانَ أَحَدٌ يَتَحَدَّثُ فِي عَلِيمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ حَدِيثٍ مُبَاحٍ، أَوْ يَنَامُ، فَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقُرْآنِ لِيُشَوِّشَ عَلَيْهِمْ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْكُمْ. أَجَابَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْحَمْدُ لِلَّهِ. اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ- عَلَى أَنَّ الْمَشَاهِدَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْقُبُورِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْرَ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَوْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَوْ قَبْرِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْرُ الْمَيِّتِ الْمُسَمَّى أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ قَبْرُهُ أَوْ جُهِلَ الْحَالُ-: اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا لَيْسَتْ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ، بَلْ وَلَا فِي سَائِرِ الْبِقَاعِ الَّتِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْصِدَهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا، لَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَلَا غَيْرُهَا. بَلْ قَصْدُهَا لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالتَّبَرُّكِ بِالصَّلَاةِ هُنَاكَ خُصُوصًا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا أَهْلِ الْبَيْتِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَا ذَكَرُوا أَنَّ فِي ذَلِكَ ثَوَابًا أَوْ أَجْرًا أَوْ قُرْبَةً. بَلْ قَدِ اسْتَفَاضَتِ السُّنَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالنَّهْيِ فِي ذَلِكَ، وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ". وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: صَحِيحٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، لَوْلَا ذَلِكَ أَبْرَزَ قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا . وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الدِّينِ كَثِيرَةٌ. فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا فِيهَا فَضِيلَةٌ عَلَى غَيْرِهَا، أَوْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْصَدَ الصَّلَاةَ عِنْدَهَا [وَ] أَنَّ فِي ذَلِكَ أَجْرًا وَمَثُوبَةً، فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْعُكُوفُ عِنْدَهَا وَالْمُجَاوَرَةُ عِنْدَهَا لَيْسَ مَشْرُوعًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، بَلْ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْبُقْعَةُ الَّتِي يُشْرَعُ الْعُكُوفُ فِيهَا وَالْمُجَاوَرَةُ فِيهَا: الْمَسَاجِدُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ . وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَاعْتَكَفَ مَرَّةً عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَتَرَكَ مَرَّةً الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَضَاهُ فِي شَوَّالٍ . وَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ لِلْمُسْلِمِينَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية