الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حَتَّى إِنَّهُ فِي غَزَاةِ تَبُوكَ حَضَّهُمْ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ ، فَجَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِأَلْفِ رَاحِلَةٍ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا ، وَأَعْوَزَتْ خَمْسِينَ رَاحِلَةً فَكَمَّلَهَا بِخَمْسِينَ فَرَسًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" . وَذَمَّ اللَّهُ الْمُخَلَّفِينَ عَنِ الْغَزْوِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ بِأَقْبَحِ الذَّمِّ حِينَ قَالَ : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ . وَقَالَ : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ . فَمَنْ تَرَكَ الْجِهَادَ عَذَّبَهُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا بِالذُّلِّ وَغَيْرِهِ ، وَنَزَعَ الْأَمْرَ مِنْهُ فَأَعْطَاهُ لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ لِمَنْ ذَبَّ عَنْهُ . وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ ، فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ عَنِ النُّفُوسِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ" . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ وَقِتَالٍ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" . وَمَتَى جَاهَدَتِ الْأُمَّةُ عَدُوَّهَا أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهَا ، وَإِنْ تَرَكَتِ الْجِهَادَ شَغَلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ . وَمِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْأُمَّةِ أَنَّهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ قَدْ تَحَرَّكَتْ قُلُوبُهُمُ انْتِظَارًا لِجُنُودِ اللَّهِ ، وَفِيهِمْ مَنْ نَوَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مَعَ الْعَدُوِّ إِذَا جَمَعُوا ، ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَقْفِزَ عَنْهُمْ وَإِمَّا أَنْ يُوقِعَ بِهِمْ . وَالْقُلُوبُ السَّاعَةَ مُحْتَرِقَةٌ مُهْتَزَّةٌ لِنَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ، حَتَّى إِنَّ بِالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَجِبَالِ الْأَكْرَادِ خَلْقًا عَظِيمًا مُسْتَعِدِّينَ لِلْجِهَادِ مُرْتَقَبِينَ الْعَسَاكِرَ ، سَوَاءٌ تَحَرَّكَ الْعَدُوُّ أَوْ لَمْ يَتَحَرَّكْ . وَكَذَلِكَ قَدِمَتْ بِنْتُ بَيْدَرَا وَكَانَتْ مَأْسُورَةً فِي بَيْتِ قَازَانَ ، فَأَخْبَرَتْ بِمَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ وَأُمِّهِ مِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، وَهِيَ السَّاعَةَ فِي نِيَّتِهَا تَذْهَبُ إِلَى مِصْرَ ، وَقَدْ أَقَامَتْ فِي بَيْتِهِمْ مُدَّةً إِلَى نِصْفِ شَوَّالٍ عَلَى مَا ذَكَرَتْ . وَسَوَاءٌ أَلْقَى اللَّهَ بَيْنَهُمُ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ وَأَهْلَكَ رُؤَسَاءَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا عَوْنٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ . وَقَدِ اتَّصَلَ بِالدَّاعِي أَخْبَارٌ صَادِقَةٌ مِنْ جِهَاتٍ يُوثَقُ بِهَا بِمَا قَدْ مَالَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَرَاءِ تِلْكَ الْبِلَادِ حَتَّى مِنَ الْمَغُولِ ، وَلَا بُدَّ أَنَّ السُّلْطَانَ يُطَالِعُ بِذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ ، فَإِنَّ هُنَاكَ قَوْمٌ صَالِحُونَ سَاعُونَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، كَشَيْخِ الْجَزِيرَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية