الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقُدَمَاءُ الصُّوفِيَّةِ الْأَصِحَّاءُ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْفَنَاءِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ مَا يُغَيِّبُ الْعَبْدَ عَنْ شُهُودِ السِّوَى، لَا يُرِيدُونَ لَهُ أَنَّكَ تُسَوِّي بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ. لَكِنْ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْعَبْدِ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. فَسَوَّوْا بَيْنَ الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ، فَقَالُوا: مَا ثَمَّ إِلَّا طَاعَةٌ بِلَا مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى وَفْقِ الْمَشِيئَةِ الْعَامَّةِ. ثُمَّ أَخَذُوا عَنِ الْجَهْمِيَّةِ نَفْيَ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الصَّانِعَ لَيْسَ مُبَايِنًا لِلْعَالَمِ خَارِجًا عَنْهُ. فَقَالُوا: الْوُجُودُ وَاحِدٌ، وَمَا ثَمَّ لَا طَاعَةٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ. وَلِهَذَا صَارَ هَؤُلَاءِ يُصَنِّفُ أَحَدُهُمْ فِي مِفْتَاحِ غَيْبِ الْجَمْعِ وَالْوُجُودِ، وَمَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ صَاحِبُ « مَنَازِلِ السَّائِرِينَ». وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ إِثْبَاتًا لِلصِّفَاتِ وَمُبَايَنَةِ الرَّبِّ لِلْمَخْلُوقَاتِ، وَأَبْعَدِ الْخَلْقِ عَنِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، لَكِنْ جَاءَ مِثْلُ الْقُونَوِيِّ وَالتِّلْمِسَانِيِّ وَنَحْوِهِمَا، أَخَذُوا مَا وَجَدُوهُ يُنَاسِبُهُمْ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْفَنَاءِ، وَالْجَمْعِ، وَالْوُجُودِ، وَانْتَقَلُوا مِنْهُ إِلَى مَا يَقُولُونَهُ مِنْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ. كَمَا أَخَذُوا مِنْ كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ مِنْ « مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ»، وَ « الْمَظْنُونِ بِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ»، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مُشَابَهَةٌ لِكَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ، مُبَايِنًا بِهِمْ فِي هَذَا النَّفْيِ. وَانْتَقَلُوا مِنْهُ إِلَى الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ. وَأَبُو حَامِدٍ يُكَفِّرُ مَنْ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ. وَلَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِهِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَعْمَالِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ [فِي] الْفَنَاءِ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي الصِّفَاتِ مَا يَتَعَلَّقُونَ بِهِ فِي النَّفْيِ. وَلَكِنْ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ مَا يُنَاسِبُ مَرَضَهُ. وَلِهَذَا كَانَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَمَعَانِي الْفَنَاءِ وَالْبَقَاءِ خَيْرًا مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَالصِّفَاتِ مِنَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْفَنَاءَ يُرَادُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْفَنَاءُ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَى الْحَقِّ، أَوِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، أَوْ رَجَائِهِ، أَوْ خَوْفِهِ، أَوْ حُبِّهِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْفَنَاءُ عَنْ إِرَادَةِ مَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ، وَعَنْ تَعَلُّقِ الرَّجَاءِ بِأَعْمَالِهَا، وَالثِّقَةِ بِهَا، حَيْثُ يَكُونُ عَمَلُهُ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ، فَهُوَ يَعْبُدُهُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، لَا لِلْخَلْقِ وَلَا بِهِمْ. وَهَذَا الْفَنَاءُ يُجَامِعُ الْبَقَاءَ، فَإِنَّهُ فَنَاءٌ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَاهُ بِحُبِّهِ، وَعَنْ رَجَاءِ مَا سِوَاهُ بِرَجَائِهِ، وَعَنِ التَّوَكُّلِ عَلَى مَا سِوَاهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَعَنِ الثِّقَةِ بِمَا سِوَاهُ بِالثِّقَةِ بِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَتَحْقِيقُ قَوْلِ: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَنَاءٌ عَنْ تَأَلُّهِ مَا سِوَاهُ بِتَأَلُّهِهِ. فَهَذَا أَوْ نَحْوُهُ هُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْفَنَاءِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَهُوَ حَقِيقَةُ دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَإِخْلَاصُ [الدِّينِ] أَوْ بَعْضُ مَا يَجِبُ مِنْهَا. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ يَطُولُ تَفْصِيلُهَا. وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: « مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ». وَمِنْ أَسْبَابِ وُقُوعِهِمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمْ قَدْ لَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْلَمُ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ وَأَحْوَالَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، بَلْ إِنْ وَجَدُوا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ وَجَدُوا مَنْ [يَتَكَلَّمُ] فِي عِلْمِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِ مِنَ الظَّنِّ وَاتِّبَاعِ الْهَوَى مَا يَنْقُصُ حَالَ مَنْ يُتَابِعُهُ، أَوْ يَضُرُّهُ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ صَلَاحِ قَلْبِهِ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي فِقْهِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِبْرَةٌ وَلَا رِعَايَةٌ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ. كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ خِبْرَةٌ وَلَا رِعَايَةٌ لِلْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ. [وَ] كَثِيرٌ مِمَّا يَقَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ -كَأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ- نَظِيرُ مَا يَقَعُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَشَوَاهِدُ هَذَا وَتَفْصِيلُهُ يَطُولُ، وَهِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْحَاكِمُ عَلَى الطَّرِيقِ كُلِّهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَعَلَى كُلِّ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى الدِّينِ بِقَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلصَّحَابَةِ، مُقْتَدِيًا بِهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: « إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاخْتَصَّهُ بِوَحْيِهِ. ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قَلْبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ». وَقَالَ أَيْضًا: « مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَبَرُّ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا». وَقَالَ حُذَيْفَةُ: « يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، اسْتَقِيمُوا وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَوَ اللَّهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُمْ لَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَلَئِنِ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا». وَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: « يَا أَخَابِثَ خَلْقِ اللَّهِ! فِي خِلَافِنَا تَبْغُونَ الْهُدَى». وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التَّوْبَةِ: 100]. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ فِي كِتَابِهِ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الْفَاتِحَةِ: 6 - 7]. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « الْيَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضَالُّونَ». وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ عَرَفُوا الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، فَكَانُوا فِي الْغَيِّ. وَالنَّصَارَى عَمِلُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَكَانُوا فِي الضَّلَالِ. وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُحَذِّرُونَ مِنَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ، وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ، وَيَقُولُونَ: فِي الْأَوَّلِ شَبَهٌ مِنَ الْيَهُودِ، وَفِي الثَّانِي شَبَهٌ مِنَ النَّصَارَى. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ». قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: « فَمَنْ»؟! وَلِهَذَا يُؤْخَذُ مَا يَعْرِضُ لِهَؤُلَاءِ بِإِزَاءِ مَا يَعْرِضُ لِهَؤُلَاءِ. فَأَهْلُ النَّظَرِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ الْمُحْدَثِ قَدْ يَقَعُونَ فِي نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَصَفَهَا، كَمَا يَقَعُ أَهْلُ الْإِرَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّصَوُّفِ الْمُحْدَثِ فِي الْفَنَاءِ عَمَّا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي شَرَعَهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية