الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
كِتَابُ الشَّيْخِ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ جُزْءٌ فِيهِ: كِتَابُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَةَ، إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فِيمَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، فِي قَضِيَّةٍ سُئِلَ عَنْهَا مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ اخْتِمْ لِي بِخَيْرٍ لَمَّا كَانَ بِتَارِيخِ يَوْمِ الْأَحَدِ رَابِعَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، حَضَرَ إِلَى مَجْلِسِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَقُدْوَةِ الْأَنَامِ، الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، مُحْيِي الشَّرِيعَةِ، قَامِعِ أَهْلِ الْبِدَعِ، تَقِيِّ الدِّينِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ ابْنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ شِهَابِ الدِّينِ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَثَابَهُمُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ السَّرَّاجُ الْفَقِيهُ يَوْمَئِذٍ بِقَرْيَةِ كَفْرِ قُوقِ الْفُسْتُقِ مِنْ إِقْلِيمِ دَارِيَّا مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. وَذَكَرَ أَنَّ بِقَرْيَتِهِ وَمِنْ حَوْلِهَا أُنَاسًا مِنْهُمْ فُقَرَاءَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّيْخِ حَسَنِ الْقُطْنِيِّ، وَعَلِيِّ الْقُطْنِيِّ الرِّفَاعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مُوَلَّهِينَ مَكْشُوفِي الرُّؤُوسِ وَغَيْرَ مُوَلَّهِينَ، وَبَعْضُهُمْ يُصَلِّي، وَبَعْضُهُمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ. فَأَمَّا الَّذِي يُصَلِّي إِذَا قَامُوا خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا سَمِعُوا حِسًّا، كَصَرِيرِ بَابٍ أَوْ مَشْيٍ بِقَبْقَابٍ قَوِيٍّ أَوْ حَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعَقُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: آهْ آهْ! وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: آخٍ آخٍ! وَأَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: نَحْنُ فُقَرَاءُ وَهَذِهِ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُ شَيْخِنَا! وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا مِنْهُمْ فَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَذَرَ أَنَّ ثَوْبَهُ نَجِسٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَنَا بَرْدَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أَشْغَالُ الدُّنْيَا تَقْطَعُنَا عَنِ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَا فَقِيهُ إِنَّ الصَّلَاةَ مَا هِيَ فَرْضٌ إِلَّا عَلَى مَنْ هُوَ فَارِغٌ مِنْ عَمَلِ الْفِلَاحَةِ وَأَشْغَالِ الدُّنْيَا! وَسَأَلَ الشَّيْخَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إِلَيْهِمْ، فَكَتَبَ لَهُ الشَّيْخُ كِتَابًا إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ بِمَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَهَذِهِ صُورَةُ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الدَّاعِي أَحْمَدَ ابْنِ تَيْمِيَةَ إِلَى مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاتِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ، جَمَعَ اللَّهُ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ بَاطِنَةً وَظَاهِرَةً، وَتَوَلَّاهُمْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَصَرَفَ عَنْهُمْ كُلَّ مَحْذُورٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى إِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ: مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الْكُتُبِ، وَأَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ مَنْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ مِنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَأَمَرَ بِجِهَادِ مَنْ خَرَجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَفَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَعْرَفَ الْمَعْرُوفَ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَوَّلُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْفَرَائِضِ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنَ الدِّينِ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي مَوَاقِيتِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُ النَّاسِ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبِيدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ». وَقَالَ: « لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ». وَقَالَ: « الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدَ كَفَرَ». فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَوَاقِيتِهَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْمُرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِذَلِكَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التَّحْرِيمِ: 6]. وَقَالَ عَلِيٌّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: « عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ». وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ; فَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الْبَلِيغَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكْمُهُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَهَذَا الْكِتَابُ كُتِبَ إِنْذَارًا وَإِعْذَارًا، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عُوقِبَ بِمَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ، فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَصَلَاتَيِ اللَّيْلِ: الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. وَلَا يُؤَخِّرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَى النَّهَارِ، وَلَا صَلَاةَ النَّهَارِ إِلَى اللَّيْلِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية