الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2202 8 - حدثنا محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يحيى بن سعيد ، عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال : سمع رافع بن خديج قال : كنا أكثر أهل المدينة مزدرعا ، كنا نكري الأرض بالناحية منها مسمى لسيد الأرض ، قال : فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض ، ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك ، فنهينا ، وأما الذهب والورق ، فلم يكن يومئذ .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  قيل : لا وجه لإدخال هذا الحديث في هذا الباب ، ولعل الناسخ غلط ، فكتبه في غير موضعه ، وأجيب بأن له وجها لعل وجهها من حيث إن من اكترى أرضا لمدة ، فله أن يزرع ويغرس فيها ما شاء ، فإذا تمت المدة فلصاحب الأرض طلبه بقلعهما ، فهذا من باب إباحة قطع الشجر . ( قلت ) : هذا المقدار كاف في طلب المطابقة في ذكر متن الحديث هنا .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد بن مقاتل . الثاني : عبد الله بن المبارك . الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري . الرابع : حنظلة بن قيس الزرقي بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف الأنصاري . الخامس : رافع بن خديج بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة وبالجيم ابن رافع الأنصاري .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) :

                                                                                                                                                                                  فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضعين .

                                                                                                                                                                                  وفيه : العنعنة في موضعين .

                                                                                                                                                                                  وفيه : السماع .

                                                                                                                                                                                  وفيه : أن شيخه وشيخ شيخه رازيان ويحيى وحنظلة مدنيان .

                                                                                                                                                                                  وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي .

                                                                                                                                                                                  وفيه : أن شيخه من أفراده ، وأنه ذكر مجردا عن النسبة وكذلك عبد الله ذكر مجردا .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في المزارعة عن صدقة عن سفيان بن عيينة ، وفي الشروط عن مالك بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عمرو الناقد عن سفيان ، وعن أبي الربيع ، وعن أبي موسى ، وأخرجه أبو داود فيه عن إبراهيم بن موسى الرازي ، وعن قتيبة عن الليث ، وعن قتيبة عن مالك ، وأخرجه النسائي في المزارعة عن مغيرة بن عبد الرحمن ، وعن عمرو بن علي ، وعن يحيى بن حبيب ، وعن محمد بن عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة به .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) :

                                                                                                                                                                                  قوله : " مزدرعا " نصب على التمييز والمزدرع مكان الزرع ويجوز أن يكون مصدرا ، أي : كنا أكثر أهل المدينة زرعا ، والمزدرع أصله المزترع ; لأنه من باب الافتعال ، ولكن قلب التاء دالا ; لأن مخرج التاء لا يوافق الزاي لشدتها . قوله : " نكري الأرض " بضم النون من الإكراء . قوله : " مسمى " القياس فيه مسماة ; لأنه حال من الناحية ولكن ذكر باعتبار أن ناحية الشيء بعضه ، ويجوز أن يكون التذكير باعتبار الزرع ، ويروى تسمى بلفظ الفعل ، وهو أيضا حال . قوله : [ ص: 164 ] " لسيد الأرض " ، أي : مالكها جعل الأرض كالعبد المملوك ، وأطلق السيد عليه . قوله : " قال " ، أي : رافع بن خديج . قوله : " فمما يصاب ذلك " ، أي : فكثيرا ما يصاب ذلك البعض ، أي : يقع له مصيبة ويصير مؤوفا ، فيتلف ذلك ويسلم باقي الأرض وبالعكس تارة ، وهو معنى . قوله " ومما يصاب الأرض ويسلم ذلك " ، أي : البعض .

                                                                                                                                                                                  وفي رواية الكشميهني ، " فمهما " في الموضعين ورواية الأكثرين أولى ; لأن مهما يستعمل لأحد معان ثلاثة أحدها يتضمن معنى الشرط ، فيما لا يعقل غير الزمان ، والثاني الزمان والشرط ، والزمخشري ينكر ذلك ، والثالث الاستفهام ولا يناسب مهما هنا إلا بالتعسف يعلم ذلك من يتأمل فيه ، وأما من لا عربية له ، فلا يفهم من ذلك شيئا . وقال الكرماني : يحتمل أن يكون مهما بمعنى ربما ; لأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ، سيما ومن التبعضية تناسب رب التقليلية ، وعلى هذا الاحتمال لا يحتاج أن يقال : إن لفظ ذلك من باب وضع المظهر موضع المضمر . قوله : " فنهينا " على صيغة المجهول " ، أي : نهينا عن هذا الإكراء على هذا الوجه ; لأنه موجب لحرمان أحد الطرفين ، فيؤدي إلى الأكل بالباطل . قوله : " والورق " بكسر الراء هو الفضة .

                                                                                                                                                                                  وفي رواية الكشميهني الفضة عوض الورق . قوله : " فلم يكن يومئذ " ، يعني : فلم يكن الذهب والفضة يكرى بهما ، لا أن معناه : فليس الذهب والفضة موجودين .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) :

                                                                                                                                                                                  فيه : أن إكراء الأرض بجزء منها " ، أي : بجزء مما يخرج منها منهي عنه ، وهو مذهب عطاء ومجاهد ومسروق والشعبي وطاوس والحسن وابن سيرين والقاسم بن محمد وبه قال أبو حنيفة ومالك وزفر واحتجوا في ذلك بحديث رافع بن خديج المذكور . واحتجوا أيضا بما أخرجه الطحاوي : حدثنا يونس قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم ، عن يعلى بن حكيم ، عن سليمان بن يسار ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له أرض فليزرعها ، أو ليزرعها أخاه ولا يكريها بالثلث ولا بالربع ولا بطعام مسمى " ، وأخرجه مسلم أيضا وبما رواه البخاري أيضا عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل إلى آخره ، وسيأتي بعد عشرة أبواب ، وبما رواه مسلم من حديث عبد الله بن السائب قال : سألت عبد الله بن مغفل عن المزارعة ، فقال : أخبرني ثابت بن الضحاك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزارعة ، وبما رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث جابر بن عبد الله ، وسيأتي أيضا هذا بعد أبواب ، وبما رواه البخاري ومسلم من حديث سالم أن عبد الله بن عمر قال : كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض تكرى ، الحديث . وسيأتي هذا أيضا بعد أبواب إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                  ولما كانت أحاديث هؤلاء الأربعة مختلفة الألفاظ ومتباينة المعاني ; كثرت فيه مذاهب الناس ، وأقوال العلماء ، قال أبو عمر : لا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال ; لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئة ، وكذلك لا يجوز كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما ولا مشروبا سوى الخشب والقصب والحطب ; لأنه في معنى المراقبة ، هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقال القاضي عياض : اختلف الناس في منع كراء الأرض على الإطلاق ، فقال به طاوس والحسن أخذا بظاهر النهي عن المحاقلة ، وفسرها الراوي بكراء الأرض فأطلق . وقال جمهور العلماء : إنما يمنع على التقييد دون الإطلاق ، واختلفوا في ذلك ، فعندهما أن كراءها بالجزء لا يجوز من غير خلاف ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي . وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه تشبيها بالقراض ، وأما إكراءها بالطعام مضمونا في الذمة ، فأجازه أبو حنيفة والشافعي . وقال ابن حزم : وممن أجاز إعطاء الأرض بجزء مسمى مما يخرج منها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وسعد وابن مسعود وخباب وحذيفة ومعاذ رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول عبد الرحمن بن يزيد بن موسى وابن أبي ليلى وسفيان الثوري والأوزاعي ، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المنذر ، واختلف فيها عن الليث ، وأجازها أحمد وإسحاق إلا أنهما قالا : إن البذر يكون من عند صاحب الأرض ، وإنما على العامل البقر والآلة والعمل ، وأجازه بعض أصحاب الحديث ، ولم يبال ممن جعل البذر منهما .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية