الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء

( ( وبعد فالفضل حقيقا فاسمع نظامي هذا للبطين الأنزع ) )


( ( مجدل الأبطال ماضي العزم     مفرج الأوجال وافي الحزم ) )


( ( وافي الندى مبدي الهدى مردي العدا     مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى ) )



( ( وبعد ) ) ببنائها على الضم لحذف المضاف إليه ونية ثبوت معناه أي وبعد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على القول الرجيح والمذهب الصحيح ، ( ( فالفضل ) ) الشامخ والقرب الراسخ والمجد الباذخ من سائر الأمة واتفاق [ ص: 335 ] الأئمة ، ( ( حقيقا ) ) أي في حقيقة الأمر من غير شك ولا نكر ، ( ( فاسمع ) ) : فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للقافية مني ( ( نظامي ) ) أي منظومي ( ( هذا ) ) الذي أدرجت فيه عقيدة السلف الصالح وضمنته ما يقتفيه كل محقق فالح ثابت ، ذلك الفضل ومستقر ( ( لـ ) ) الإمام الهمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ( ( البطين الأنزع ) ) .

قال ابن الأثير في نهايته وفي صفة علي - رضي الله عنه - : البطين الأنزع أي العظيم البطن ، وفي حديث علي أيضا - رضي الله عنه - : أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ؟ المبطان الكثير الأكل والعظيم البطن ، ذكر ذلك على سبيل الاستفهام الإنكاري ، والمراد بكونه بطينا أن باطنه عظيم لتضلعه من العلوم والمعارف ، والمراد بالأنزع المنحسر شعر رأسه مما فوق الجبين ، والنزعتان عن جانبي الرأس مما لا شعر عليه ، قال في النهاية : كان الإمام علي - رضي الله عنه - أنزع الشعر له بطن ، وقيل : معناه الأنزع من الشرك المملوء البطن من العلم والإيمان ، ( ( مجدل الأبطال ) ) قال في القاموس : جدله فانجدل وتجدل صرعه على الجدالة كسحابة الأرض مطلقا أو ذات رمل دقيق ، وتقدم حديث : " أنا خاتم النبيين في أم الكتاب وإن آدم لمنجدل في طينته " . أي ملقى على الجدالة وهي الأرض .

وفي حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حين وقف على طلحة - رضي الله عنه - يوم الجمل وهو قتيل ، فقال : أعزز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . أي مرميا ملقى على الأرض قتيلا ، والأبطال جمع بطل - بفتح الموحدة والطاء المهملة - وكشداد بين البطالة أو البطولة الرجل الشجاع سمي بذلك لأنه يبطل جراحته فلا يكترث بها ، أو يبطل عنده دماء الأقران كما في القاموس .

ولا شك أن عليا - رضي الله عنه - قتل من الأبطال عدة مثل الوليد بن عتبة يوم بدر ، وعمرو بن عبد ود يوم الخندق ، ومرحب من أبطال خيبر وغيرهم ، وقوله : ( ( ماضي العزم ) ) إشارة إلى شدة قوته ووفور شدته ، والماضي من مضى في الأمر مضاء ومضوا نفذ ، ومضى السيف أي قطع والمضو كالعلو التقدم والعزم الجد والصبر ، ومنه قوله تعالى : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) .

وقوله : ( ( مفرج ) ) أي كاشف ( ( الأوجال ) ) يقال : فرج الله الغم يفرجه كشفه كفرجه ، والأوجال جمع وجل - بفتح الواو والجيم - الخوف ورجل وجل كفرح ياجل ويجل ويوجل [ ص: 336 ] وييجل - بكسر أوله - وجلا وموجلا كمقعد ويجمع أيضا على وجلين والمرأة وجلة ، إشارة إلى ما كان عليه من كشف الغموم وتفريج الهموم ، والإقدام في المواقف الصعبة والبروز إلى الأقران المستصعبة .

وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر : " لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله " . فبات الناس يدوكون أي يخوضون ويتحدثون ليلتهم أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلهم يرجو أن يعطاها فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : يشتكي عينيه قال : فأرسلوا إليه . فأتي به ، فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية - الحديث .

وقوله : ( ( وافي الحزم ) ) إشارة إلى وفور عقله وغزارة فطنته وفضله ، والحزم ضبط الرجل أمره والحذر من فواته مأخوذ من قولهم حزمت الشيء إذا شددته ، وفي الحديث : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن " . - يعني النساء - أي أذهب لعقل الرجل المحترز في الأمور المستظهر فيها . وفي حديث آخر أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل ما الحزم ؟ فقال : " تستشير أهل الرأي ثم تطيعهم " . وفي القاموس الحزم : ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة كالحزامة والحزومة يقال : حزم ككرم فهو حازم وحزيم والجمع حزمة وحزماء .

وفي قوله : ( ( وافي ) ) أي كثير ، ( ( الندى ) ) أي السخاء والكرم يقال : فلان يندى على أصحابه أي يسخى كما في النهاية ، وفي القاموس تندى : تسخى وأفضل كأندى فهو ندي الكف والندى الثرى والشحم والمطر والبلل ( والكلأ ) وشيء يتطيب به كالبخور . وفي محل آخر أندى كثر عطاياه . انتهى . إشارة إلى غزارة كرمه وجزالة عطاياه وحزمه .

( ( مبدي ) ) أي مظهر ( ( الهدى ) ) أعني العلوم الغامضة والفهوم الرائضة والهدى - بضم الهاء وفتح الدال المهملة - الرشاد والدلالة ، ( ( مردي العدا ) ) اسم فاعل من أرداه إذا أهلكه وكسره وأوقع أعداءه في الردى والتلف والهلاك ، ( ( مجلي ) ) أي مزيل ومفرق وكاشف ، ( ( الصدى ) ) أي العطش والظمأ والمراد به كاشف الكرب ومجلي النوب ، ( ( يا ويل ) ) هذه يراد بها الدعاء بالحزن والهلاك والمشقة ومعنى [ ص: 337 ] النداء فيها يا حزن ويا هلاك ويا عذاب احضر فهذا وقتك وأوانك لـ ( ( من ) ) أي إنسان مكلف من ذكر وأنثى ، ( ( فيه ) ) أي في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ( ( اعتدى ) ) بانتقاصه وانحطاطه عن منزلته الشامخة ودرجته الباذخة وهضم من حقوقه الظاهرة وفضائله الطاهرة ، أو غلا فيه غلوا خارجا عن طوره ونسب إليه ما ليس له من نحو ألوهية كغلاة أهل الرفض أو نبوة أو أفضليته على من هو نفسه اعترف بأنه أفضل منه .

وقد أخرج البزار عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " إن فيك مثلا من عيسى ابن مريم - عليه السلام - أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه ، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس به " . ألا وإنه يهلك في اثنان : محب يقرظني بما ليس في ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني . ورواه أبو يعلى والحاكم أيضا . وأخرج الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي : " أشقى الناس رجلان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى يبل منه هذه " . - يعني لحيته - . وقد ورد ذلك أيضا من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم - رضي الله عنه - .

وروى الطبراني وأبو يعلى بسند رجاله ثقات إلا واحدا منهم وقد وثق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له يوما : من أشقى الأولين ؟ قال : الذي عقر الناقة يا رسول الله . قال : صدقت ، قال : فمن أشقى الآخرين ؟ قال : لا علم لي يا رسول الله . قال : الذي يضربك على هذه - وأشار - صلى الله عليه وسلم - إلى يافوخه ، فكان علي - رضي الله عنه - يقول لأهل العراق - يعني عند ضجره منهم - وددت أنه قد انبعث أشقاكم فخضب هذه - يعني لحيته - من هذه . ووضع يده على مقدم رأسه . وصح أيضا أن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - قال لعلي : لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف . فقال علي : وايم الله لقد أخبرني به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال أبو الأسود الدؤلي : فما رأيت كاليوم محاربا يخبر بذا عن نفسه .

إذا علمت هذا فاعلم أن أمير المؤمنين علي الأنزع البطين ابن أبي طالب ، واسمه عبد مناف وقيل : اسمه كنيته ، ابن عبد المطلب ، واسمه [ ص: 338 ] شيبة الحمد قاله ابن إسحاق ، وقيل : عامر قاله ابن قتيبة ، قال ابن عبد البر : ولا يصح ، وكنيته أبو الحارث أكبر أولاده ، ويكنى أيضا أبا البطحاء ، وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه حين أتى به من المدينة صغيرا فكان يقال له : من هذا ؟ فيقول : عبدي ، وهو ابن هاشم بن عبد مناف بن قصي إلخ النسب الشريف ، فعلي - رضي الله تعالى عنه - ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشميا في الإسلام وقد أسلمت وهاجرت ، وأمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأخو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمؤاخاة ، وصهره على سيدة النساء فاطمة الزهراء - عليها السلام - ، وأحد السابقين إلى الإسلام ، وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين ، وأحد الخلفاء الراشدين ، وأحد من جمع القرآن المبين ، وأول خليفة من بني هاشم ، وأبو السبطين السعيدين .

أسلم علي - رضي الله عنه - قديما ، قال ابن عباس وأنس بن مالك وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - : إنه أول من أسلم حتى نقل بعضهم الإجماع عليه ، وقد ورد في ذلك عدة أخبار ، وتقدم في ذكر الصديق ما يجمع الأقوال على التحقيق ، ويدل لهذا ما قاله أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - لما بلغه افتخار معاوية فقال لغلامه : اكتب إليه . ثم أملى عليه - رضي الله عنه - قوله :

محمد النبي أخي وصهري     وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يمسي ويضحي     يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي     منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منها     فأيكم له سهم كسهمي
سبقتكم إلى الإسلام طرا     غلاما ما بلغت أوان حلمي



قال الإمام الحافظ البيهقي : إن هذا الشعر مما يجب على كل متوان في علي - رضي الله عنه - حفظه ليعلم مفاخره في الإسلام . انتهى .

واعلم أن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كثيرة [ ص: 339 ] ومآثره غزيرة وفضائله شهيرة حتى قال سيدنا الإمام أحمد - رضي الله عنه - : ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي - رضوان الله عليه - . وكذا قال إسماعيل القاضي ، والنسائي ، وأبو علي النيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي - رضي الله عنه - .

قال بعض العلماء : وسبب ذلك - والله أعلم - أن الله تعالى أطلع نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما يكون بعده مما ابتلي به علي وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة ، فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهاره لتلك الفضائل لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته ، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل وبثها نصحا للأمة أيضا ، ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه وسبه حتى على المنابر ، ووافقهم على ذلك الخوارج ، اشتغلت جهابذة العلماء والحفاظ من أهل السنة ببث فضائله حتى كثرت ، نصحا للأمة ونصرة للحق .

وقد أخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن الإمام أحمد - رضي الله عنهما - قال : سألت أبي عن علي ومعاوية فقال : اعلم أن عليا كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه شيئا فلم يجدوا ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيادا منهم له - رضي الله عنه - . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - روح الله روحه - : الكل مقر بأن معاوية ليس كفئا لعلي - رضي الله عنهما - في الخلافة ، ولا يجوز أن يكون معاوية خليفة مع إمكان استخلاف علي لسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله ، فإنها كانت عندهم ظاهرة معروفة كفضل إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - ، ولم يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد ، لكن سعدا كان قد ترك هذا الأمر وكان الأمر قد انحصر في علي وفي عثمان - رضي الله عنهما - ، فلما توفي عثمان لم يبق لها معين إلا علي - رضي الله عنه - وإنما وقع ما وقع من الشر بسبب قتل عثمان - رضي الله عنه - .

وقال شيخ الإسلام : ومعاوية لم يدع الخلافة ولم يبايع له بها حين قاتل عليا ، ولم يقاتله علي - رضي الله عنه - على أنه خليفة ولا أنه [ ص: 340 ] يستحق الخلافة ، ولا كانوا يرون أن يبدءوا عليا بقتال ، بل لما رأى علي أن لهؤلاء شوكة وهم خارجون عن طاعته رأى أن يقاتلهم حتى يردوا إلى الواجب ، وهم رأوا أن عثمان - رضي الله عنه - قتل مظلوما باتفاق وقتلته في عسكر علي - رضي الله عنه - وهم غالبون لهم شوكة ، وعلي - رضي الله عنه - لم يمكنه دفعهم كما لم يمكنه الدفع عن عثمان ، فرأوا من الآراء الفاسدة أن نبايع خليفة ( لا ) يقدر على أن ينصفنا ويبذل الإنصاف ، وكان في جهال الفريقين من يظن بالإمامين علي وعثمان - رضي الله عنهما - ظنونا كاذبة ، منهم من يزعم أن عليا - رضي الله عنه - أمر بقتل عثمان - رضي الله عنه - ، وكان علي - رضي الله عنه - يحلف وهو البار الصادق بلا يمين أنه لم يقتله ولا رضي بقتله ولم يمالئ على قتله .

قال شيخ الإسلام : وهذا معلوم بلا ريب من علي - رضوان الله عليه - فكان أناس من محبي علي ومن مبغضيه يشيعون ذلك عنه ، فمحبوه يقصدون الطعن على عثمان وأنه كان يستحق القتل وأن عليا أمر بقتله ، ومبغضوه يقصدون الطعن على علي - رضي الله عنه - وأنه أعان على قتل الخليفة المظلوم الشهيد الذي صبر نفسه ولم يدفع عنها ، ولم يسفك دم مسلم في الدفع عنه فكيف في طلب طاعته . وأمثال هذه الأمور التي تنسب إلى المشنعين العثمانية والعلوية ، وكل من الطائفتين مقر بأن معاوية ليس بكفء لعلي - رضي الله عنه - .

ولي ( علي ) الخلافة ووقعت له المبايعة بها الغد من قتل عثمان ، فقالوا له : نبايعك فمد يدك فلا بد للناس من أمير ، فقال علي - رضي الله عنه - : ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر ، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة ، فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى عليا ، فقالوا : ما نرى أحدا أحق بها منك ، مد يدك نبايعك ، فبايعوا ، وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان ، فقال لها : من قتل عثمان ؟ قالت : لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد بن أبي بكر ، وأخبرت عليا والناس بما صنع .

فدعا محمدا فسأله عما ذكرت امرأة عثمان ، فقال محمد : لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي ، فقمت عنه وأنا تائب إلى الله - سبحانه وتعالى - والله ما قتلته ولا أمسكت . فقالت امرأة عثمان : صدق ولكنه أدخلهما . وذلك أن محمد بن أبي بكر - رضي الله عنهما - دخل كما ذكر فأخذ بلحية عثمان [ ص: 341 ] فقال له عثمان - رضي الله عنه - : والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني . فتراخت يده ودخل عليه الرجلان فتوجياه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا ، وخرجت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت إلى الناس ، فقالت : إن أمير المؤمنين قد قتل . فدخل الناس فوجدوه مذبوحا .

وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة ، فخرجوا وقد ذهلت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا عليه فوجدوه مقتولا فاسترجعوا ، وضرب علي الحسن وصدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وكان أرسلهم يذبون عن عثمان ، وقال لابنيه كيف قتل وأنتما على الباب ؟ وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله فهرع الناس إليه فبايعوه جميعا . وزعم بعض الناس أن طلحة والزبير إنما بايعا كارهين غير طائعين ، ثم خرجا إلى مكة وأم المؤمنين عائشة بها فأخذاها وخرجا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان ، فبلغ ذلك عليا فخرج إلى العراق فلقي طلحة والزبير ومن معهما وهي وقعة الجمل ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ، وقتل بها طلحة والزبير وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفا ، وأقام علي - رضي الله عنه - بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ، ثم خرج عليه معاوية ومن معه بالشام فبلغ عليا فسار ، فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها أياما ، فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص ، وكتبوا بينهم كتابا أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر الأمة ، فافترق الناس ورجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام وبلغت القتلى ثلاثين ألفا .

قال القرطبي في التذكرة : وكان مقام علي ومعاوية بصفين سبعة أشهر ، وقيل : تسعة أشهر ، وقيل : ثلاثة أشهر ، وقيل : بل قتل في ثلاثة أيام ، وهي الأيام البيض ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ، ثلاثة وسبعون ألفا من الفريقين . ذكره الثقة العدل أبو إسحاق .

ومن تلك الليالي ليلة الهرير جعل يهر بعضهم إلى بعض ، والهرير : الصوت يشبه النباح ، لأنهم تراموا بالنبل حتى فنيت وتطاعنوا بالرماح حتى اندقت وتضاربوا بالسيوف حتى انقضبت ، حتى نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض وقد كسروا أجفان سيوفهم وتضاربوا بما بقي من السيوف وعمد الحديد ، فلا يسمع إلا غمغمة القوم والحديد في الهام ، ثم تراموا بالأحجار ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب ثم تكادموا بالأفواه [ ص: 342 ] وكسفت الشمس وثار القتام وارتفع الغبار ، وضلت الألوية والرايات ، ومرت مواقيت أربع صلوات ، لأن القتال كان من بعد صلاة الصبح إلى ما بعد نصف الليل ، وكان ذلك في ربيع الأول من سنة سبع وثلاثين كما في تاريخ الإمام أحمد - رضي الله عنه - وغيره ، وكان عدة أهل الشام الذين مع معاوية مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفا ، وكان أهل العراق الذين مع علي رضوان الله عليه عشرين أو ثلاثين ومائة ألف ، ذكر ذلك الزبير بن بكار . واستشهد في صفين أبو اليقظان عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وكان مع علي - رضوان الله عليه - ، وكان عمار يومئذ ابن ثلاث وتسعين سنة ، وكان قد سماه رسول الله الطيب المطيب ، فقد روى الترمذي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : جاء عمار بن ياسر يستأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب " . قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : أخبرني من هو خير مني أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : " تقتلك فئة باغية " . وأخرجه مسلم أيضا من حديث أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " . وفي الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار : " أبشر تقتلك الفئة الباغية " . واستسقى يوم صفين فأتي بقعب فيه لبن فلما نظر إليه كبر ، ثم قال : أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن آخر رزقي من الدنيا ضياح لبن في مثل هذا القعب ، ثم حمل فلم يثن حتى قتل أخرج الترمذي المسند منه وقال : حسن صحيح والباقي ذكره رزين .

وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ينفض التراب عن عمار وهم يبنون المسجد النبوي ، ويقول : " ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " . قال : وجعل عمار يقول : أعوذ بالله من الفتن ، وفي رواية : " ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " . ولم يذكر البخاري هذه الزيادة - يعني تقتله الفئة الباغية - ، وهذه الزيادة صحيحة ثابتة وهي في صحيح مسلم وغيره ، وكذلك في بعض نسخ البخاري كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله [ ص: 343 ] روحه - : ومن رضي بقتل عمار - رضي الله عنه - كان حكمه حكمها أي حكم الفئة الباغية التي قتلته .

ويروى أن معاوية تأول أن الذي قتله هو الذي جاء به إلى منون مقاتله فما قتله إلا الذي أخرجه ، فألزمه علي - رضي الله عنه - بقوله ، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذن قتل حمزة حين أخرجه لقتال المشركين ، ولا يخفى أن حجة معاوية هذه أوهى من بيت العنكبوت ، ومن ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - : ولا ريب أن قول علي - رضي الله عنه - هذا هو الصواب . انتهى . ولا يرتاب ذوو الألباب أن الحق والصواب مع أمير المؤمنين أبي السبطين ، وزوج سيدة نساء العالمين علي بن أبي طالب - رضوان الله عليهم أجمعين - .

وأما معاوية - رضي الله عنه - فهو مجتهد مخطئ ، وليس له يومئذ في الخلافة حق ، ومن ثم قال له أبو مسلم الخولاني : أنت تنازع عليا في الخلافة وأنت مثله ؟ قال : لا ، وإني لأعلم أنه أفضل ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ وأنا ابن عمه ووليه أطلب بدمه ، فائتوا عليا فقولوا له يدفع لنا قتلة عثمان ، فأجاب معاوية أهل الشام ، فأرسل إلى علي أبا مسلم يطلب بدم عثمان وأنه وليه وابن عمه ، فقال أمير المؤمنين علي : يدخل في البيعة كما فعل الناس ، ثم يحاكم المدعى عليهم عندي ، فأحكم بما أنزل الله ، فأبى معاوية حتى جرى ما جرى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وكان أهل الشام يسمون قتل عمار فتح الفتوح ، وفي قتله يقول الحجاج بن غزية الأنصاري : قال النبي له تقتلك شرذمة سيطت لحومهم بالبغي فجار فاليوم يعلم أهل الشام أنهم أصحاب ذاك ومنهم شبت النار

وقال ابن عبدون في عمار - رضي الله عنه - : وما رعت لأبي اليقظان صحبته ولم تزوده إلا الضيح في العمر قال في النهاية : الضياح والضيح بالفتح اللبن الخاثر يصب فيه الماء ثم يخلط - وهو بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية فحاء مهملة - . وفي القاموس : اللبن الرقيق الممزوج وكذا الضياح - بفتح الضاد المعجمة - . ولما رفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها قال علي - رضي الله عنه - : نعم نحن [ ص: 344 ] أحق بالإجابة إلى كتاب الله تعالى . فقال القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج : خوانا يا أمير المؤمنين ما تنظر إلى هؤلاء ، ألا نمشي عليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا ، فقال سهل بن حنيف : يا أيها الناس اتهموا رأيكم . فآل الأمر إلى أن كتبوا بينهم كتابا أن يوافوا رأس الحول بأذرح كما تقدم ، فخرجت عن طاعة أمير المؤمنين الخوارج وهم القراء فقالوا : كفر علي وكفر معاوية ، فاعتزلوا عليا - رضي الله عنه - ونزلوا حروراء وهم بضعة عشر ألفا ، فأرسل علي إليهم ابن عباس - رضي الله عنهما - فناشدهم الله ارجعوا إلى خليفتكم فيم نقمتم عليه أفي قسمة أو قضاء ؟ قالوا : نخاف أن ندخل في الفتنة . قال : فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة العام القابل ، فرجع بعضهم إلى الطاعة ، وقال آخرون : نكون ناحية فإن قبل القضية - يعني التحكيم - قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصفين وإن نقضها قاتلنا معه .

فساروا حتى قطعوا النهر وافترقت منهم فرقة يقتلون الناس ، فقال أصحابهم : ما على هذا فارقنا عليا . فلما بلغ أمير المؤمنين عليا - رضي الله عنه - صنعهم وكان متجهزا لقتال أهل الشام بعد التحكيم ، فإن الناس اجتمعوا بأذرح في شعبان من سنة ثمان وثلاثين ، وحضر في هذه القضية سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة - رضي الله عنهم - ، فقدم عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم ، فاتفقا على خلع الاثنين علي ومعاوية ، ويصير الأمر شورى فمن رضيه أهل بدر من المهاجرين والأنصار فهو الخليفة ، فتقدم أبو موسى فقال : قد خلعت عليا . فقام عمرو فقال : إن أبا موسى قد خلع عليا وإني نصبت معاوية . فاختلف الناس وأخذ أبو موسى يسب عمرا ، ويقول : إنك غدرت فرجع علي إلى الكوفة ومعاوية إلى الشام ، وصار خلاف من أصحابه حتى صار - رضي الله عنه - يعض على إصبعه ويقول : أعصى ويطاع معاوية ؟ وربما قال : ويطاع ابن آكلة الأكباد . إشارة إلى أكل هند بنت عتبة أم معاوية من كبد حمزة - رضي الله عنه - يوم أحد .

فلما تجهز علي - رضي الله عنه - لقتال أهل الشام شغله أمر الخوارج وما ارتكبوه من المفاسد فقال لأصحابه : أتسيرون إلى عدوكم أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم ؟ فقالوا : بل نرجع إليهم فقال - رضي الله عنه - : اسطوا عليهم ، [ ص: 345 ] فوالله لا يقتل منكم عشرة ولا يفر منهم عشرة فكان كذلك ، فقال : اطلبوا في القتلى رجلا صفته كذا وكذا ، وذكر من نعته أن له ثديا كثدي المرأة ، فطلبوه فوجدوه على النعت الذي ذكره أمير المؤمنين لهم ، فقال رجل : الحمد لله الذي أبادهم وأراحنا منهم . فقال علي - رضي الله عنه - : كلا والذي نفسي بيده إن منهم لمن في أصلاب الرجال لم تحمله النساء بعد . وهؤلاء الذين قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين فيقتلها أولى الطائفتين إلى الحق " . رواه مسلم في صحيحه فقتلهم علي - رضي الله عنه - ، وفرح علي بقتال الخوارج بخلاف وقعة الجمل وغيرها ، فإنه كان يظهر منه الحزن والكآبة والأسف . ومن بقايا الخوارج القرامطة وهم الباطنية والإسماعيلية والملاحدة وأضرابهم .

( غريبة عجيبة )

ذكر الجلال السيوطي في لقط المرجان قال : ذكر في كتاب نزهة المذاكرة من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : حضرت مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قتل الحرورية بالنهروان ، فالتمس علي ذا الثدية فلم يجدوه ، فقال : اطلبوه فوجدوه بعد ذلك ، فقال علي - رضي الله عنه - : من يعرف هذا ؟ فقال رجل من القوم : نحن نعرفه هذا قوص وأمه هاهنا . فأرسل علي إلى أمه فقال لها : من أبو هذا ؟ قالت : ما أدري إلا أني كنت أرعى غنما لأهلي في الجاهلية بالمدينة ، فغشيني شيء كهيئة الظلة فحبلت منه فولدت هذا . انتهى . تعني أن أباه من الجن ، وهذا غريب جدا ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية