الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4968 16 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة يمكن أن يكون بينه وبين حديث عقبة بن عامر المذكور في أخبار باب الترجمة المذكورة ، وهو قوله " لا يجوز طلاق الموسوس " ، وقد علم أن الوسوسة من أحاديث النفس ، فإذا تجاوز الله عن عبده ما حدثت به نفسه يدخل فيه طلاق الموسوس أنه لا يقع .

                                                                                                                                                                                  وهشام هو الدستوائي ، وزرارة - بضم الزاي وخفة الراء الأولى - ابن أوفى - على وزن أفعل ، من الوفاء - العامري قاضي البصرة .

                                                                                                                                                                                  والحديث مضى في العتق في باب الخطإ والنسيان في العتاقة والطلاق ; فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان عن مسعر عن قتادة - إلى آخره ، وقد ذكرنا هناك أن الحديث أخرجه الجماعة ومضى الكلام فيه هناك .

                                                                                                                                                                                  قوله ( ما حدثت به أنفسها ) بالفتح على المفعولية ، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها ، قلت : قوله " بالضم " ليس بجيد ، بل الصواب بالرفع ، ولا تعلق له بأهل اللغة ، بل الكل سائغ في اللغة : حدثت نفسي بكذا ، وحدثتني نفسي بكذا .

                                                                                                                                                                                  قوله ( ما لم تعمل ) ; أي في العمليات ، أو تتكلم في القوليات . وقال الكرماني : قالوا من عزم على ترك واجب أو فعل محرم ولو بعد عشرين سنة مثلا عصى في الحال . وأجاب بأن المراد بحديث النفس ما لم يبلغ إلى حد الجزم ولم يستقر ، أما إذا عقد قلبه به واستقر عليه فهو مؤاخذ بذلك الجزم ، نعم لو بقي ذلك الخاطر ولم يتركه يستقر لا يؤاخذ به بل يكتب له به حسنة .

                                                                                                                                                                                  وفيه إشارة إلى أن هذا من خصائص هذه الأمة وأن الأمم المتقدمة كانوا يؤاخذون بذلك ، وقد اختلف أيضا هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام ثم نسخ وخفف ذلك عنهم أو هو تخصيص وليس بنسخ ؟ وذلك قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فقد قال غير واحد من الصحابة - منهم أبو هريرة وابن عباس وابن عساكر - أنها منسوخة بقوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها

                                                                                                                                                                                  واعلم أن المراد بالكلام كلام اللسان ; لأنه الكلام حقيقة ، وقول ابن العربي المراد به الكلام النفسي وأن [ ص: 256 ] القول الحقيقي هو الموجود بالقلب الموافق للعلم - مردود عليه ، وإنما قاله تعصبا لما حكى عن مذهبه من وقوع الطلاق بالعزم وإن لم يتلفظ ، وليس لأحد خلاف أنه إذا نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به أنه لا شيء عليه إلا ما حكاه الخطابي عن الزهري ومالك أنه يقع بالعزم ، وحكاه ابن العربي عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق والعتق والنذر أنه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النفسي ، وهذا في غاية البعد ، ونقضه الخطابي على قائله بالظهار وغيره ; فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يتلفظ به ، ولو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا ، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة ، وقد حرم الله الكلام في الصلاة ، فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل ، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة .

                                                                                                                                                                                  وممن قال " إن طلاق النفس لا يؤثر " : عطاء بن أبي رباح ، وابن سيرين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وجابر بن زيد ، وقتادة ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .

                                                                                                                                                                                  واستدل به جماعة أنه إذا كتب بالطلاق وقع ; لأن الكتابة عمل ، وهو قول محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ، وشرط فيه مالك الإشهاد على الكتابة ، وجعله الشافعي غاية إن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا ، وفي المحيط : إذا كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض وكان مستبينا ونوى به الطلاق يقع ، وإن لم يكن مستبينا أو كتب في الهواء والماء لا يقع وإن نوى .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية