الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  4735 42 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتغنى بالقرآن .

                                                                                                                                                                                  وقال صاحب له : يريد يجهر به .


                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث من أفراده ، وأخرجه في التوحيد أيضا .

                                                                                                                                                                                  قوله : " للنبي " بالنون والباء الموحدة في رواية رواة البخاري كلهم ، وفي رواية الإسماعيلي لشيء بالشين المعجمة ، وكذا في رواية مسلم في جميع طرقه ، قوله : " ما أذن للنبي " بالألف واللام عند أبي ذر ، وعند غيره لنبي بدون الألف واللام ، وقال بعضهم : فإن كانت محفوظة بالألف واللام فهي للجنس ، ووهم من ظنها للعهد وتوهم أن المراد نبينا صلى الله عليه وسلم فقال : ما أذن للنبي صلى الله عليه وسلم وشرحه على ذلك ، قلت : هذا الذي ذكره عين الوهم ، والأصل في الألف واللام أن يكون للعهد خصوصا في المفرد ، وعلى ما ذكره يفسد المعنى ; لأنه يكون على هذه الصورة لم يأذن الله لنبي من الأنبياء ما أذن لجنس النبي ، وهذا فاسد ، قوله : " أن يتغنى " كذا في رواية الكل بلفظة أن ، وفي رواية أبي نعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون أن ، وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف " أن " وأن إثباتها وهم من بعض الرواة ; لأنهم كانوا يروون بالمعنى ، فربما ظن بعضهم المساواة ، فوقع في الخطإ ; لأن الحديث لو كان بلفظ أن لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق ، وليس ذلك مرادا هنا ، وإنما هو من الأذن بفتحتين وهو الاستماع ، وقوله : " أذن " أي : استمع ، والحاصل أن لفظة أذن بفتحة ثم كسرة في الماضي ، وكذا في المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع ، تقول آذنت آذن بالمد ، فإن أردت الإطلاق فالمصدر بكسر ثم سكون ، وإن أردت الاستماع فالمصدر أذن بفتحتين ، وقال القرطبي : أصل الأذن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه إلى جهة من يسمعه ، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف التخاطب ، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه ; لأن ذلك ثمرة الإصغاء .

                                                                                                                                                                                  واختلفوا في معنى التغني ، فعن الشافعي : تحسين الصوت بالقرآن ، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في سنن أبي داود : إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع ، وقيل : يستغني به ، وكذا وقع في رواية أحمد ، عن وكيع ، وقيل : يستغني به عن أخبار الأمم الماضية والكتب المتقدمة ، وقيل : معناه التشاغل به والتغني ، وقيل : ضد الفقر ، وقيل : من لم يرتح لقراءته وسماعه ، وقال الإمام : أوضح الوجوه في تأويله من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد فليس منا ، ومن تأول بهذا التأويل كره القراءة بالألحان والترجيع ، روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الرحمن بن الأسود فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب الثواب ، وقالوا : كانوا يكرهونها بتطريب ، وهو قول مالك ، وممن قال المراد به تحسين الصوت والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون : الشافعي وآخرون ، وذكر عمر بن شبة قال : ذكرت لأبي عاصم النبيل تأويل ابن عيينة الذي ذكر عن قريب فقال : ما يصنع ابن عيينة شيئا ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير قال : كان لداود عليه الصلاة والسلام معزفة يتغنى عليها ويبكي ويبكي ، وعن ابن عباس أنه كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، فإذا أراد أن يبكي نفسه لم تبق دابة في بر أو بحر إلا أنصتن يسمعن ويبكين ، ومن الحجة لهذا القول أيضا حديث ابن مغفل في وصف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه ثلاث مرات وهذا غاية الترجيع ، ذكره البخاري في الاعتصام ، وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة فقال : نحن أعلم بهذا لو أراد الاستغناء لقال : من لم يستغن بالقرآن ; ولكن لما قال من لم يتغن بالقرآن علمنا أنه أراد به التغني ، وكذلك فسره [ ص: 41 ] ابن أبي مليكة أنه تحسين الصوت ، وهو قول ابن المبارك والنضر بن شميل ، وممن أجاز الألحان في القراءة فيما ذكره الطبري عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول لأبي موسى رضي الله تعالى عنه : ذكرنا ربنا ، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن ، وقال مرة : من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل ، وكان عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه من أحسن الناس صوتا بالقرآن ، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : اعرض علي سورة كذا ، فقرأ عليه فبكى عمر ، وقال : ما كنت أظن أنها نزلت ، واختاره ابن عباس وابن مسعود ، وروي عن عطاء بن أبي رباح ، واحتج بحديث عبيد بن عمير ، وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان ، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه أنهم كانوا يستمعون القرآن بألحان ، وقال محمد بن عبد الحكم : رأيت أبي والشافعي ويوسف بن عمرو يسمعون القرآن بألحان ، واحتج الطبري لهذا القول ، وأن معنى الحديث تحسين الصوت ، بما روى سفيان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة يرفعه " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن " وقال الطبري : ومعقول أن الترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه وطرب به ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : تحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت على التحزن والتخويف والتشويق ، وروى سفيان ، عن ابن جريج ، عن ابن طاوس ، عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم سئل : أي الناس أحسن صوتا بالقرآن ، قال : " الذي إذا سمعته رأيته خشي الله تعالى " وعند الآجري من حديث عبد الله بن جعفر ، عن إبراهيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر يرفعه : " أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله عز وجل " .

                                                                                                                                                                                  قوله " وقال صاحب له " أي : لأبي سلمة ، والصاحب هو عبد الحميد بن عبد الرحمن ، بينه الزبيدي عن ابن شهاب في هذا الحديث ، أخرجه ابن أبي داود عن محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات من طريقه بلفظ : " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن " قال ابن شهاب : أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن أبي سلمة : يتغنى بالقرآن يجهر به ، فكأن هذا التفسير لم يسمعه ابن شهاب من أبي سلمة وسمعه من عبد الحميد عنه ، فكان تارة يسميه وتارة يبهمه ، وقال الكرماني : يجهر به معناه : بتحسين صوته وتحزينه وترقيقه ، ويستحب ذلك ما لم تخرجه الألحان عن حد القراءة ، فإن أفرط حتى زاد حرفا أو أخفى حرفا فهو حرام .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية