الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 337 ] وصحت ، إن سلما من كراء الأرض بممنوع ، وقابلها مساو ، وتساويا [ ص: 338 - 339 ] إلا لتبرع بعد العقد

التالي السابق


( وصحت ) المزارعة ( إن سلما ) بكسر اللام أي المتزارعان أي عقدهما الشركة في الزرع ( من كراء الأرض ب ) شيء ( ممنوع ) كراؤها به ، وهو الطعام ، ولو لم تنبته الأرض كالسمن وعسل النحل وما تنبته ولا تطول إقامته بها ولو غير طعام ، كقطن وكتان ( و ) إن ( قابلها ) أي الأرض شيء ( مساو ) لكرائها من عمل يد أو بقر عند الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وأصحابه . سحنون وهو صواب . فالمساواة شرط ، وعدمها مانع ، وكثيرا ما يطلق الفقهاء الشرط على عدم المانع ، ومفهوم مساو فيه تفصيل ، فإن قابلها أكثر من كرائها بكثير فسدت وبيسير اغتفر أفاده تت .

( و ) إن ( تساويا ) أي الشريكان فيما يخرجانه والأرض مشتركة بينهما أو مباحة لعموم الناس ، أو لأحدهما وكراؤها يسير لا خطب له . وقال سحنون لا يعجبني أن تلغى الأرض وإن لم يكن لها كراء " ق " فيها لمالك رضي الله تعالى عنه لا تصح الشركة في الزرع إلا أن يخرجا البذر بينهما نصفين ويتساويا في قيمة أكرية ما يخرجانه بعد ذلك ، مثل أن يكون لأحدهما الأرض وللآخر البقر ، والعمل على أحدهما أو عليهما إذا تساويا والبذر بينهما نصفين وإن أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل بينهما وقيمة البذر وكراء الأرض سواء لم يجز لأنه أكرى نصف أرضه بطعام ، ولو اكتريا الأرض من أجنبي أو كانت لهما جاز أن يخرج أحدهما البذر كله والآخر البقر والعمل وكراء ذلك وقيمة البذر سواء . وإذا سلم المتزارعان في قول مالك رضي الله تعالى عنه من أن الأرض لواحد والبذر [ ص: 338 ] من عند الآخر جازت الشركة إن تساويا ولم يفضل أحدهما الآخر بشيء في عمل ولا نفقة ولا منفعة . سحنون أن تفاضلا في العمل تفاضلا كثيرا له بال ، فالشركة تفسد والزرع بينهما ، وإن كان التفاضل يسيرا لم تفسد الشركة كما أجاز مالك رضي الله تعالى عنه أن تلغى الأرض التي لا كراء لها ابن يونس بعض فقهائنا القرويين إذا أخرج أحدهم الأرض والآخر العمل فهذه إجارة تلزم بالعقد وأجاز سحنون أن يكون كراء الأرض أكثر من قيمة العمل لأن ذلك إجارة لا يحتاج فيها إلى التساوي ، ويلزم كل واحد أن يبذر مع صاحبه للزوم الشركة .

ونقل أهل كتب الأحكام أن الذي جرى به العمل أن المتزارعين إذا سلما من كراء الأرض بما يخرج منها فلا بأس بالتفاضل وهو قول عيسى بن دينار ، وفيها لمالك رضي الله تعالى عنه في رجلين اشتركا في الزرع فيخرج أحدهما أرضا لها قدر من الكراء فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر ، فلا يجوز إلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض ، ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية أو تكون أرضا لا خطب لها في الكراء فيجوز أن يلغي كراءها لصاحبه ويخرجان ما عداها بالسوية بينهما .

سحنون إن أخرج أحدهما الأرض والبذر والآخر العمل وقيمته مساوية قيمة كراء الأرض والبذر جاز ، وقال ابن حبيب لا . بعض القرويين قول سحنون هو الأشبه ، وليس قول ابن حبيب ببين وإذا أخرج أحدهما الأرض والآخر العمل فهذه إجارة تلزم بعقدها " غ " قوله وتساويا أعم من قوله قبل وقابلها مساو فهو مغن عنه " ح " قوله تساويا لا شك في إغنائه عن قوله ، وقابلها مساو فشرطها شيئان كما قال أبو الحسن الصغير .

ولا تصح المزارعة إلا بشرطين أن يسلما من كراء الأرض بما يخرج منها وأن يعتدلا فيما بعد ذلك عب المراد بقوله وقابلها مساو شرطهما قسم الربح على قدر ما أخرجاه كأن تكون أجرة الأرض مائة والبقر والعمل خمسين ، ودخلا على أن لرب الأرض الثلثين [ ص: 339 ] ولرب البقر والعمل الثلث ، فتجوز ، وإن دخلا على النصف لم تجز ، وإن كانت قيمة ما ذكر بعكس ما مر جاز إن دخلا على أن لرب البقر والعمل الثلثين ولرب الأرض الثلث وإن دخلا على النصف فسدت لدخولهما على التفاوت ، وإن كانت أجرة الأرض خمسين والبقر والعمل كذلك جاز إن دخلا على النصف فإن دخلا على الثلث والثلثين فسدت فالمراد . بالتساوي أن يكون الربح مطابقا للمخرج ، فلا بد أن يتساويا في الخارج والمخرج جميعا وليس المراد به أن يكون لكل منهما النصف ، وهذا يغني عنه قوله وتساويا لأن المراد به ذلك .

طفي ليس المشترط في صحة المزارعة إلا شرطين ، وأما قوله وقابلها مساو فهو مندرج في قوله وتساويا ، فيغني عنه كما قال " غ " وغيره ، وأما قوله وخلط بذر فليس من شروطها لأن شرطها ما كان عاما في جميع صورها ، وهذا خاص ببعض الصور ، ولذا قال المصنف إن كان ، ولذا قال في الجواهر ولها شرطان : الأول السلامة من مقابلة منفعة الأرض أو بعضها بما لا يجوز كراؤها به ، الثاني : التعادل بين الإشراك في قسمة المخرج أو قيمته بحسب حصص الإشراك ، فلا يجوز أن يكون لأحدهما الثلث أو الربع أو غيرهما من الأجزاء ، على أن له مما يخرج مالا يكون قدر ذلك الجزء إلا أن يكون التفاوت يسيرا لا يؤبه له فلا تفسد المزارعة .

وتبع المصنف ابن الحاجب في قوله وقابلها صار فإنه ، قال يشترط أن يكون ما يقابلها معادلا لكرائها إلا أنه لم يذكر ما يغني عنه وهو التساوي في المخرج ، فجاء كلامه حسنا ا هـ . قلت شاع أنه لا يعترض بإغناء المتأخر عن المتقدم لوقوع الأول في مركزه . ولا يغني عن المتأخر فاحتيج للثاني ، فصنيع المصنف أحسن من صنيع ابن الحاجب لإخلاله بشرط التساوي والله أعلم .

واستثنى من مفهوم ومتساويا فقال ( إلا ) أن يكون عدم التساوي ( لتبرع ) من أحد شريكي المزارعة بزيادة عمل أو قدر مما يخرج للآخر ( بعد العقد ) فلا تفسد عند ابن القاسم ، وإن كانت عنده لا تلزم إلا بالبذر مراعاة للقول بلزومها بالعقد قاله ابن رشد [ ص: 340 ] ق " ابن حبيب إن تفاضلا فيما أخرجه المتزارعان فإن كانا عقدا على الاعتدال جاز ما فضل به أحدهما الآخر طوعا قل أو كثر إن اعتدلا في الزريعة سحنون إن صح العقد جاز أن يتفاضلا ، ولم يفرق بين زريعة وغيرها ، وكذا لو أسلف أحدهما الآخر بعد صحة العقد من غير وأي ولإعادة الشيخ يريد سحنون لأنها تلزم بعقدها كالبيع .

ابن رشد في قول ابن القاسم في سماع عيسى إن كانت الشركة على غير شرط سلف ثم سأله أن يسلفه الزريعة ففعل فلا بأس به نظر على أصله أن المزارعة لا تلزم بالعقد ، وقال بعضهم هذا يدل على أنها تلزم بالعقد ، ولا دليل له من هذه الرواية ، وإنما لم تفسد المزارعة إذا كان السلف بعد العقد ، وإن كانت عنده غير لازمة به مراعاة لقول من رآها لازمة به ولعلهما ظنا لزومها به فبعدت التهمة عنهما فلا حاجة لقول " غ " قوله إلا لتبرع بعد العقد أي بعد العقد اللازم بالبذر ، فأل عهدية .

البناني فيه نظر فإن المصنف إنما قصد بهذا ما ذكره ابن القاسم في العتبية ، وبحث فيه ابن رشد وأجاب عنه وهو لا شك مراد المصنف ونص العتبية من سماع عيسى ابن القاسم وقد سئل عن رجلين اشتركا في حرث فقال أحدهما للآخر أسلفني بعد عقد الشركة ابن القاسم الشركة فاسدة للسلف الذي أسلفه من الزريعة إن كانا اشتركا على ذلك ، فإن كانت الشركة على غير سلف ثم سأله ذلك ففعل فليس به بأس ، والشركة حلال جائزة إذا كانت قيمة العمل مكافئة لقيمة الأرض .

ابن رشد في قوله فليس به بأس نظر على أصله من أنها لا تلزم بالعقد ، لأن القياس عليه أن لا يجوز السلف بعد العقد ، وقد قال بعض أهل النظر هذا من قوله يدل على أنها تلزم العقد عنده ، ولا دليل من قوله في هذه الرواية على ذلك ، إذ قد ذكر فيها ما يدل على أنها لا تلزم بالعقد وهو قوله والشركة حلال جائزة إذا كانت قيمة العمل مكافئة لقيمة الأرض لأن من يراها لازمة بالعقد يجيز التفاضل فيها ولا يشترط جوازها التكافؤ فيما يخرجان ، وإنما لم تفسد إذا كان السلف بعد العقد وإن كانت عنده غير لازمة [ ص: 341 ] به مراعاة لقول من رآها لازمة به . ا هـ . فعلم منه أن ابن القاسم قال بعدم لزومها بالعقد ويجوز التبرع بعده مراعاة لقول المخالف ، وكلام المصنف جار عليه فلا وجه لتأويله وإخراجه عنه والله أعلم ، وبه يسقط بحث اللقاني ، وأما بحث طفي مع " غ " بأن حمل العقد على اللازم بالبذر ، رأى تمامه نقل معه فائدة التبرع بعد تمام العمل ، ففيه نظر لإمكان التبرع بعد تمام البذر بالسقي أو التنقية أو الحصاد والدراس أو بالزيادة في حصته أو نحوها .




الخدمات العلمية