الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 90 ] وله إن رشد ، ولو حنث بعد بلوغه ، أو وقع الموقع [ ص: 91 ] وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه

التالي السابق


( و ) إن تصرف المميز في ماله بمعاوضة ولا ولي له أو له ولي ولم يعلم تصرفه قبل رشده ف ( له ) أي المميز رد تصرف نفسه ( إن رشد ) بفتح الراء والشين المعجمة أي صار رشيدا مالكا أمر نفسه إن كان تصرفه بغير يمين أو بيمين حنث فيها قبل بلوغه ، بل ولو تصرف قبل بلوغه بيمين ( حنث ) فيها ( بعد بلوغه ) رشده على المشهور ، سواء لم يقع تصرفه الموقع ( أو وقع ) تصرفه قبل بلوغه ( الموقع ) بفتح الميم وسكون الواو وكسر القاف ، أي وافق ونظرا مما كان يلزم الولي أن يفعله هل له أن يرده وينقضه إن آل الأمر إلى خلاف ذلك بحوالة سوق أو نماء فيما باعه أو نقصان فيما ابتاعه أو ما أشبه ذلك ، [ ص: 91 ] فالمشهور المعلوم في المذهب أن ذلك له وقيل إن ذلك ليس له .

( وضمن ) بفتح فكسر المميز ( ما ) أي شيئا ( أفسد ) هـ المميز من مال غيره ( إن لم يؤمن ) بضم التحتية وفتح الهمز والميم مثقلا أي لم يجعل المميز أمينا ( عليه ) أي المال المفسد من مالكه الرشيد ، ومفهوم الشرط أنه لا يضمن ما أمن عليه وهو كذلك على المشهور ، ومفهوم المميز أن غير المميز لا يضمن ما أفسده دما كان أو مالا وهو كذلك على قول . ثانيها أنه كالمميز . ثالثها إهدار المال ودية الدم على عاقلته ، وأفهم قوله ضمن أن أباه لا يتبع بذلك وهو كذلك وأنه إن كان مما لا يضمن كالخمر فلا يضمنه وهو كذلك .

ابن رشد عقب ما تقدم : ويلزمه ما أفسد وكسر مما لم يؤمن عليه واختلف فيما أفسده وكسره مما ائتمن عليه ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته وحنث فيه حال صغره .

واختلف فيما حلف به في حال صغره وحنث به في حال رشده والمشهور أنه لا يلزمه . وقال ابن كنانة يلزمه ولا تلزمه يمين فيما ادعي عليه به ، واختلف هل يحلف مع شاهده المشهور أنه لا يحلف ويحلف المدعى عليه ، فإن نكل غرم ولا يمين له على الصبي إذا بلغ وإن حلف برئ إلى بلوغ الصبي ، فإذا حلف أخذ حقه ، فإن نكل فلا شيء له ولا تلزم المدعى عليه يمين ثانية ، وقد روي عن مالك والليث رضي الله تعالى عنهما أنه يحلف مع شاهده ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى من الحقوق والأحكام ، لقول رسول الله عليه الصلاة والسلام { رفع القلم عن ثلاثة ، وذكر منها الصبي حتى يحتلم } ا هـ .

عب وضمن الصبي ولو غير مميز خلافا لتت . ما أفسد في ماله ولا يتبع بثمنه في ذمته إن لم يؤمن عليه إلا ابن شهر فلا ضمان عليه لأنه كالعجماء في فعله قاله ابن عرفة . ومفهوم الشرط أنه إن أمن عليه فلا يضمن إلا أن يصون به ماله فيضمن في المال الذي صونه ، أي حفظه خاصة ، فإن تلف وأفاد غيره فلا يضمن فيه ، وإن باع ما أمن عليه وصون به ماله في نفقته فلا يضمن من ماله إلا قدر ما صونه ، وظاهر ولو كان الذي باعه من مال [ ص: 92 ] غيره يساوي أكثر ، ثم قال : والمنقول فيما يتلفه المجنون ثلاثة أقوال أحدها المال في ماله والدية على عاقلته . الثاني : أنهما هدر الثالث : المال هدر ، والدية على عاقلته . البناني : قوله في ماله ولا يتبع بثمنه في ذمته تبع فيه عج قائلا ذكره الرجراجي ، قال : ولا خلاف أنه لا يتبع بالثمن في ذمته . طفي هذا وهم فاحش خرج به عن المذهب ، بل يتبع به في ذمته كما في المدونة ، ونصها : ومن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير فهي في مال الابن ، فإن لم يكن له مال ففي ذمته . ابن عرفة الصقلي : والصبي المميز ضامن للمال في ذمته ، والدية على حكم الخطأ ، والكبير المولى عليه في جنايته كالمالك أمر نفسه .

وكلام الرجراجي الذي استدل به عج على ما قال نقله " ح " في التنبيه التاسع ولا دليل له فيه لأنه في الثمن الذي أخذه الصبي فيما باعه وأنفقه فيما لا بد له منه هل يؤخذ منه أم لا ، ولا خلاف أنه لا يتبع به في ذمته كما تقدم عن " ح " . ا هـ . أي في التنبيه الثامن ، فإن سياقه فيه يفيد ما قاله طفي ، وذكر المسناوي مثل ما ذكره طفي ، ثم قال : وبعد كتبي هذا وقفت على كلام الرجراجي في أصله فوجدته والحمد لله موافقا لما ظنناه ، ونصه في المسألة المعقودة لما يلزم السفيه من أقواله وأفعاله ، وأما حقوق الآدميين على الخصوص كبيعه وشرائه وما أشبه ذلك مما يخرج عن عوض ولا يقصد به المعروف فهو موقوف على نظر وليه إن كان له ولي ، فإن لم يكن له ولي قدم القاضي ناظرا ينظر له في ذلك نظر الوصي ، فإن لم يفعل ذلك حتى ملك أمر نفسه كان هو مخيرا في ذلك وإجازته ، فإن رد بيعه أو ابتياعه وكان أتلف الثمن الذي باع به أو السلعة فلا يخلو من أن ينفق الثمن فيما لا بد له منه أو في غيره .

فإن أنفقه في غير واجبه مما هو عنه في غنى فلا يتبع به ولا يتقرر في ذمته وإن أنفقه فيما لا بد له منه مما يلزمه إقامته من ماله فهل يتبع به في ماله أو لا ؟ على قولين متأولين على المدونة ، ولا خلاف أنه لا يتبع به في ذمته ا هـ . المراد منه وقال قبل هذا : ولا خلاف [ ص: 93 ] عندنا في المذهب أن جناية الصغير على المال لازمة لماله وذمته . ا هـ . قوله وظاهره ولو كان الذي باعه من مال الغير يساوي كثيرا إلخ ، هذا صرح به اللخمي وغيره ، ففي التوضيح عند قول ابن الحاجب ومن أودع صبيا أو سفيها أو أقرضه أو باعه فأتلفه فلا يضمن ولو أذن له وليه ، وإنما لم يضمنا لأن صاحب السلعة سلط عليها محجورا عليه ولو ضمن المحجور عليه لبطلت فائدة الحجر .

اللخمي وغيره إلا أن يصرفا ذلك فيما لا بد لهما منه ، ولهما مال فيرجع عليهما بالأقل مما أتلفا أو صونا من مالهما ، فإن ذهب ذلك المال ثم أفادا غيره فلا رجوع عليهما فيه . ا هـ . وبالرجوع بالأقل صرح ابن عبد السلام أيضا وهو ظاهر قوله : والمنقول فيما يتلفه المحجور ثلاثة أقوال إلخ ، هذه الأقوال حكاها ابن رشد في المجنون والصغير غير المميز . وأبو الحسن وابن الحاجب وابن عرفة فالصغير غير المميز مثل المجنون في المال والدم ، وعلى القول الأول منها وهو أن جنايتهما على المال في مالهما وعلى الدم على عاقلتهما إلا أن تكون أقل من الثلث ، ففي مالهما فهما كالمميز في هذا كما في ابن عرفة ، وهذا هو الراجح لقوله في التوضيح تبعا لابن عبد السلام ، والقول الأول أظهر لأن الضمان من خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف ، زاد ابن عبد السلام : ولا التمييز . اللقاني هذا مقتضى ما اقتصر عليه ابن الحاجب في القصاص من قوله ولا قصاص على صبي ولا مجنون ، بخلاف السكر ، وعمدهما كخطأ فتجب ديته على عاقلتهما إن بلغت . الثلث ، وإلا ففي ماله أو ذمته . ا هـ . أي إن لم تبلغ الثلث ففي مال الجاني أو ذمته من صبي أو مجنون كما صرح به ابن عبد السلام . اللقاني فظاهر ابن الحاجب أنه لا فرق بين المجنون وغيره كما قاله في ضيح . المسناوي وعليه فالذمة ثابتة للجميع فلا يشترط فيها التمييز فضلا عن التكليف ا هـ .

وبرجحان هذا القول يظهر أن قوله وضمن ما أفسد إلخ يشمل المميز وغيره والمجنون ، والله أعلم .




الخدمات العلمية