الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 84 ] والصبي لبلوغه [ ص: 85 - 87 ] بثمان عشرة ، أو الحلم ، أو الحيض ، أو الحمل ، أو الإنبات . [ ص: 88 ] وهل إلا في حق الله تعالى ؟ تردد وصدق [ ص: 89 ] إن لم يرب

التالي السابق


( والصبي ) الذكر يحجر عليه بالنسبة لنفسه ، وينتهي الحجر عليه ( لبلوغه ) المازري البلوغ قوة تحدث للشخص تنقله من حال الطفولية إلى حال الرجولية . عج الأحسن إلى غيرها ليشمل بلوغ الأنثى ، وظاهره أن الأنثى لا تتصف بالرجولية ، ولعله باعتبار ما اشتهر عند العوام ، ولذا قال : الأحسن وإلا ففي الصحاح الرجل خلاف المرأة ، ويقال لها رجلة ، ويقال كانت عائشة رضي الله تعالى عنها رجلة الرأي . وقال ابن الأثير وفيه أي الخبر { أنه لعن المترجلات من النساء } ، أي اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهن وهيئتهن ، فأما في [ ص: 85 ] العلم والرأي فمحمود يقال امرأة رجلة لمن تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة ، فإذا بلغ الصبي انفك عنه بمجرد بلوغه الحجر عليه لنفسه فيذهب حيث يشاء إلا أن يخاف عليه هلاك أو فساد فيمنعه أبوه أو وصيه ، أو المسلمون أجمعون .

وأما الصبية فيستمر الحجر عليها بالنسبة لنفسها إلى بناء زوجها بها خلافا لقول ابن الحاجب لبلوغها إلا لخوف ، وظاهر المصنف وابن الحاجب أن الصبي يشمل الصبية وهو مخالف للفقه أفاده عب . البناني : قوله وظاهره أن الأنثى لا تتصف بالرجولية إلخ الصواب إسقاطه إلى آخره ، هذه المسودة ; لأن كلام الصحاح وابن الأثير إنما يفيد وصفها بالرجولية إذا اتصفت بوصف من أوصاف الرجال لا أن مجرد بلوغها يسمى رجولية كما يوهمه رده على عج . قلت رده ظاهر باعتبار كلام ابن الأثير لا باعتبار كلام الصحاح .

البناني : قوله خلافا لقول ابن الحاجب إلخ ، انظر هذا النقل ، وعبارة ابن الحاجب : وينقطع الصبي بالبلوغ وبالرشد بعد الاختيار ، وفي الأنثى أن تتزوج ويدخل بها على المشهور ا هـ . ضيح أي وينقطع حجر الصبي فهو على حذف مضاف . ابن عرفة والابتلاء للرشد مطلوب . اللخمي في كون ابتلاء من في ولايته بعد بلوغه أو قبله قولا محمد والأبهري مع البغداديين وهو أبين لقول الله تعالى { وابتلوا اليتامى } الآية المازري والأشهر أنه بعده . اللخمي اختلف يختبر بدفع شيء من ماله له ليختبر به ، فظاهر قول مالك رضي الله تعالى عنه منعه لقوله إن فعل لم يلحقه فيه دين ولا فيما بيد وصيه وأجازه غيره . وقال يلحقه الدين فيما بيده . المازري في إشارات الأشياخ اضطراب في اختباره بشيء من ماله ، ثم ذكر كلام اللخمي وقال هذا التخريج غير لازم قد يكون الدفع مباحا ، ولكن الغرماء لم يعاملوه على ما بيده فلذا لم يقض لهم به .

قلت كذا وجدته في غير نسخة ، ومقتضى قوله " قد يكون الدفع مباحا إلخ " أنه تعقب على تخريج منع الدفع من عدم تعلق الدين ، وما زعمه دليلا على ذلك غير صحيح في [ ص: 86 ] نفسه ، وهو قوله " الغرماء لم يعاملوه على ما في يده " ; لأن الثابت نقيضه لأنهم عاملوه على ما بيده . وفي المعونة لولي السفيه أو الصغير دفع مال له يختبره به اللخمي يريد بالصغير الذي قارب البلوغ إن رأى دليل رشده ، ومقتضى كلام المتيطي وغيره من الموثقين أنه المذهب ، قال : للوصي أن يدفع ليتيمه بعض ماله يختبره به كستين دينارا ، أو لا يكثر جدا إن رأى استقامته ، فإن تلف فلا يضمنه ، وإن لم يصلح لاختباره ضمنه ويسقط ضمانه بذكره في عقد الإشهاد معرفة شهيديه أنه ممن يصلح اختباره ، وفيها إن دفع له من ماله ما يختبره به فلا يلحقه فيه دين .

الصقلي عن القابسي : يلحقه فيه ما عومل فيه بنقد لا ما عومل فيه بدين إلا أن يكون بيده أكثر مما دفعه له وليه فيكون حق الذي داينه . في الزائد إن كان من معاملته إياه ، ثم قال ابن عرفة للشيخ للوصي أن يدفع للصبي مالا يختبره به ولا يضمن الوصي ما نقص منه . ابن حبيب ويصدق الوصي فيما دفعه إليه إن أنكره إذا علم أن اليتيم كان يتجر . قلت يلزم منه أنه مصدق في أنه إنما دفعه له إلا أنه أهل لاختباره بذلك ما لم تقم بينة بخلافه . زاد ابن عات : وقيل لا يقبل كدفع قوله إلا ببينة المال كله إليه والنفقة إذا لم يكن في عياله .

المتيطي عن أبي عمران إنما يجوز ذلك في الصبي إن جعل معه من يرقبه وإلا ضمن الوصي ، وعزي لحوق الدين فيما اختبر به اليتيم لأشهب وابن الماجشون . قلت ففي لحوق الدين فيه . ثالثها إن عومل بنقد لهما ومالك مع ابن القاسم رضي الله تعالى عنهما . والقابسي المازري : صفة اختباره أنه إذا استقل بنفسه في تغذيته وتدبير طعامه دفع له من العين لشراء غذائه ونظر ، فإن سلك فيه مسلك الرشداء دفع له من ماله ما ينظر تصرفه فيه الشافعي رضي الله تعالى عنه : إن كان من أبناء الملوك والوزراء الذين لا يليق بهم التجر دفع له من إنفاقه على أهله وولده ما يختبر به ، والمرأة تختبر بتصرفها في أمور الغزل ، وما قاله الشافعي تضمنه قولنا الغرض حصول ما تدل عليه قرائن الأحوال فذو الأب إن بلغ [ ص: 87 ] معلوم الرشد زال حجره ، ولو لم يشهد أبوه بإطلاقه وإن بلغ معلوم السفه دام حجره به ، وإن بلغ مجهول الحال ففي كونه كذلك أو على الرشد قولان ، وقد أطال ابن عرفة هنا فانظره إن شئت .

وذكر المصنف خمسا من علامات البلوغ منها مشترك بين الذكر والأنثى ، ومنها مختص بالأنثى عاطفا لها بأو لئلا يتوهم أن العلامة مجموعها فقال ( بثمان عشرة سنة ) أي بتمامها وللخمي بالدخول في الثامنة عشرة . الحط هذا هو المشهور من أقوال خمسة . البرزلي اختلف في السن أي الذي هو علامة البلوغ ففي رواية ثمان عشرة ، وقيل سبع عشرة ، وزاد بعض شراح الرسالة ست عشرة وتسع عشرة ، وروى ابن وهب خمس عشرة لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .

ابن عبد البر هذا فيمن عرف مولده وأما من جهل مولده ولم يعلم سنه أو جحده فالعمل فيه على ما رواه رافع عن أسلم عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى . ا هـ . ولعله كنى بجريان الموسى عن نبت العانة فظاهره أنه يصدق في ذلك وهو بين ، وفي كلام زروق أنه يصدق في السن إن ادعى ما يشبه إذا جهل تاريخ ولادته . البرزلي سئل اللخمي عن معنى قولهم علامة البلوغ سبع عشرة أو ثمان عشرة ، فأجاب النسبة إلى السنة بالدخول بها ، فمن أكمل سنة وخرج ولو بيوم فلا ينسب إليها ، وقد وقع في الأحاديث ما يقتضي النسبة إلى السنة الكاملة كحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما حيث قال { أجازني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرة أو خمس عشرة } .

( أو الحلم ) بضم الحاء المهملة واللام أي الإنزال في النوم من ذكر أو أنثى أو في اليقظة والظاهر أن المذي مثله إذ لا يحصل إلا من بالغ ونص عليه الشافعية ( أو الحيض أو الحمل ) ولا يعتبر كبر النهد ، أي الثدي ( أو الإنبات ) على فرج الأنثى وعلى أعلى الذكر ، أي الخشن لا الزغب ، وظاهره ولو في زمن لا ينبت في مثله عادة لا على الإبط أو اللحية [ ص: 88 ] لتأخره عن البلوغ . ابن العربي المشهور كون الإنبات علامة . ا هـ . والمراد به النبات إذ هو الظاهر لنا لا المعنى المصدري ، إذ لا اطلاع له عليه .

( وهل ) هو علامة مطلقا في حق الله تعالى وحق الآدمي أو هو علامة ( إلا في حقه ) أي الله ( تعالى ) وهو ما لا ينظر فيه الحكام من صلاة وصوم ونحوهما ، وكذا ما ينظر فيه بالنسبة لما بينه وبين الله تعالى فليس بعلامة فيه ، فلا يأثم بفعل ما نهي عنه ولا بترك ما وجب ، في الجواب ( تردد ) الحط صرح في التوضيح بأن المشهور أنه علامة مطلقا ، وظاهر كلامه هنا كذلك لتصديره به وهو ظاهر الأحاديث ، ولعل التردد في مطلق الإنبات . وأما الإنبات الذي تقدم وصفه فلا يوجد إلا في بالغ والله أعلم . وزاد القرافي في العلامات : نتن الإبط ، وغيره : فرق الأرنبة من الأنف .

وبعض المغاربة يأخذ خيطا ويثبته ويديره برقبته ويجمع طرفيه في أسنانه ، فإن دخل رأسه معه فقد بلغ وإلا فلا ، وهذا وإن لم يكن منصوصا فقد رأيت في كتب التشريح ما يؤيده من أنه إذا بلغ الإنسان تغلظ حنجرته ويضمحل صوته فتغلظ رقبته وجربه كثير من العوام فصدقه ا هـ . البناني ما قرر به " ز " هو ظاهر المصنف وخلاف ما في " ق " عن ابن رشد والظاهر أنه طريقة ، وأن المصنف أشار بالتردد لها ، ولطريقة المازري وذكرهما في ضيح ونصه : والمشهور أن الإنبات علامة قاله المازري وغيره . ودليله حديث بني قريظة حيث قال صلى الله عليه وسلم { انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه الموسى فاضربوا عنقه } .

ولمالك رضي الله عنه في كتاب القذف أنه ليس علامة على البلوغ ونحوه لابن القاسم في كتاب القطع ، وحمل في المقدمات هذا الخلاف فيما بينه وبين الآدميين . قال : وأما فيما بينه وبين الله تعالى من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة ا هـ .

( وصدق ) بضم فكسر مثقلا الصبي في إخباره بأنه بلغ أو لم يبلغ . الحط زروق فأما الاحتلام والحيض والحمل فلا خلاف في كونها علامات ، ويصدق في الإخبار عنها نفيا [ ص: 89 ] وإثباتا طالبا كان أو مطلوبا ، وكذا عن الإنبات ولا تكشف عورته ، وقال ابن العربي ينظر في المرآة وأنكره ابن القطان الفقيه المحدث قائلا لا ينظر للعورة ولا إلى صورتها ، ويصدق إن ادعى ما يشبه حيث جهل التاريخ ( إن لم يرب ) بضم التحتية وفتح الراء أي يشك في صدقه ، فإن ارتيب في صدقه فلا يصدق سواء كان طالبا كمدعيه ليقسم له في الغنيمة أو مطلوبا كجان ادعى عليه بلوغه ليحد قاله تت .

عج المعتمد تصديقه إذا كان مطلوبا لقوله صلى الله عليه وسلم { ادرءوا الحدود بالشبهات } ، وفي كلام " ق " ما يفيده ، وتبعه الخرشي وعب قال فإن ارتيب فيه فلا يصدق فيما يتعلق بالمال ويصدق في الجناية لدرء الحد بالشبهة ، وفي الطلاق فلا يلزمه استصحابا لأصل صباه ، ففي المفهوم تفصيل ، واستثني دعوى الحمل فينتظر ظهوره إن كان خفيا ، ويدل قوله ولا نفقة بدعواها الحمل بل بظهوره وحركته قاله " د " ، في الحط أنها تصدق ا هـ . الحط ومنه أي البرزلي سئل السيوري عن البكر اليتيمة تريد النكاح وتدعي البلوغ هل يقبل قولها أو تكشف فأجاب يقبل قولها ا هـ .




الخدمات العلمية