الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
والمقصود هنا بيان لفظ التأويل، وأن معناه في القرآن وكلام من يتكلم بلغة القرآن غير معناه عند الذين اصطلحوا على [ ص: 306 ] أن جعلوه اسما للمعنى المرجوح في اللفظ، ولم يجعلوا معناه المنصوص الظاهر داخلا في مسمى التأويل، فقوله هل ينظرون إلا تأويله هو تأويل ما أخبر به. هذا التأويل لا يخالف ظاهر اللفظ، ولا نصه، بل تأويل مطابق لظاهر اللفظ الذي أخبر الله تعالى به، فخبر الله عز وجل عما وعد به وأوعد به دل ظاهره على معنى، وتأويل الكلام ذلك المعنى الموجود في الخارج، وإذا قيل: الراسخون في العلم يعلمون تأويله، فمعناه: أنهم يفهمون ما أخبر به عن التأويل، ويتصورون معنى الكلام، وهو معرفة تفسيره، فهم يفهمون الخبر عن التأويل، ويعلمون حقيقة التأويل، وإن لم يعلموا كيفيته وكميته ووقته، وقد يعلمون بعض ذلك دون بعض، كما تعلم الملائكة من حيث الجملة، ثم نقول: وما يعلم جنود ربك إلا هو [المدثر: 31]. فهو معلوم من وجه دون وجه، فإذا قيل: يعلمون التأويل فهم يعلمون ما دلهم عليه الخطاب وما أفهمهم إياه كما قال مالك: الاستواء معلوم، وأما ما وراء ذلك فهو من التأويل الذي لا يعلمونه، كمثل كيفية الاستواء التي قال فيها: والكيف مجهول.

ومما يبين معنى التأويل في كلام الصحابة الذين يتكلمون [ ص: 307 ] بلغة القرآن حديث ابن مسعود، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [المائدة: 105]. قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى ثار كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك نفسك، فإن الله تعالى [ ص: 308 ] يقول: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [المائدة: 105]. قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مه؟! لم يحن تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب على ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما رأيت قلوبكم واحدة وأهواءكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.

وروي من حديث عبد الله بن مغفل، عن [ ص: 309 ] مكحول، أن رجلا سأله عن قول الله تعالى: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال: إن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد، إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ، فعليك نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت.

وعن كعب قال: إذا هديت فأدى ذلك للغضب فحينئذ تأويل هذه الآية.

وهذه الآية من آيات الأمر والنهي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم [ ص: 310 ] يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

فقوله تعالى: لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [المائدة: 105]. فمن الاهتداء القيام بما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا قال الصديق: "أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وإنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده". [ ص: 311 ]

فالصديق أنكر على من ظن أنها تسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن ذلك واجب بحسب الاستطاعة.

قال أبو عبيد: خاف الصديق رضي الله عنه أن يتأول الناس الآية على غير تأويلها فتدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأعلمهم أنها ليست كذلك، وابن مسعود وأولئك بينوا أن في زمانهم يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان لاجتماع القلوب ووجود الأعوان على ذلك، وأنه عند التفرق والاختلاف وعجز الإنسان عن الإنكار باليد واللسان.

والمقصود أنهم سموا نفس المراد بالآية تأويلا لها، بل الإمساك عما يعجز عنه من الإنكار فإنه من تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: «عليك نفسك، ولا يضرك من ضل إذا اهتديت». وأما تفسيرها وفهم معناها، فقد كان موجودا في زمانهم، وهذا التأويل لا يعجز [ ص: 312 ] عنه أحد، ولا يسقط عن أحد، ويتبعه الإنكار بالقلب، وهو أضعف الإيمان، بخلاف ذلك.

وما قاله ابن مسعود قد جاء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد منه، فعليك نفسك ودع عنك أمر العامة، فإن من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن فهو كقبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» وروي خمسين منكم، أي: مثل ذلك العمل إذا عمل به في زمان [ ص: 313 ] الصحابة، لأن الأعمال كثيرة وكان متيسرا، فإذا عمل به في ذلك الزمان ضوعف أجر عمله. [ ص: 314 ]

وأما مجموع عمل السابقين فلا يقدر أحد على فعله، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».

التالي السابق


الخدمات العلمية