الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فحاصل كلامه ثلاث مقدمات: أنه موقوف على ما يدل على المراد، وعلى ما ينفي ضده ونقيضه، فيقال: الدال على المراد يستلزم الدلالة على ضده ونقيضه، فلا يحتاج إلا إلى العلم بالمراد فقط، والعلم بالمراد كثيرا ما يكون علما اضطراريا، كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة، فإن الإنسان إذا سمع [ ص: 480 ] مخبرا يخبر بأمر، قد يحصل عنده ظن، ثم يقوى بالخبر الآخر حتى يكون علما ضروريا، وكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء، وقد يظنه، ثم يتكرر كلام المتكلم، أو يتكرر سماعه له، ولما يدل على مراده، فيصير علمه بمراده ضروريا، وقد يكون العلم بالمراد استدلاليا نظريا، وحينئذ فذلك يتوقف على مقدمة واحدة، وقد يتوقف على مقدمتين وعلى أكثر.

أما دعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي على مراد المتكلم يتوقف على عشر مقدمات، فهذا باطل قطعا، وأبطل منه أن كل مقدمة فهي ظنية، بل عامة المقدمات التي يتوقف عليها فهم ومراد المتكلم، وقد تكون قطعية في غالب الأمر لمن تدبر ذلك، فإن قيل: إذا كان المراد قد بينه المتكلم بغير ذلك اللفظ، ونقل عنه متواترا، لم يكن مستفادا من اللفظ، بل يكون مستفادا من ذلك النقل.

قيل لهم: نقلوا المراد، ونقلوا أنه هو المراد باللفظ، وأن اللفظ دال عليه، كما نقلوا وجوب الحج، وأن وجوبه مراد بقوله [ ص: 481 ] تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [آل عمران: 97]. وأنه أريد بهذا اللفظ وجوب حج البيت الذي بمكة، وكذلك قوله تعالى: شهر رمضان [البقرة: 185]. وقوله تعالى: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [البقرة: 43]. ونحو ذلك. فإذا سمع هذا اللفظ علم قطعا أنه أريد به هذا المعنى، كما علم أن هذا المعنى قصده الرسول صلى الله عليه وسلم وأراده، فكلاهما معلوم قطعا، فلو قال قائل: أنا أوجب الحج وصيام شهر رمضان، فإن ذلك منقول بالتواتر، لكن أقول: صيام رمضان المراد به موالاة ثلاثين رجلا، وحج البيت المراد به حج بيوت العلم والحكمة، والمراد به صلاة الجمعة، كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار.

وأيضا، فإذا عرف ما أريد باللفظ ابتداء من لم يعرف معناه، فيطلب معرفة معناه، فيفسر له بالمعنى المعلوم المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا سمع اللفظ ذكره ما أمر الله تعالى به، وما أخبر به، فيذكر ما أوجب الله تعالى عليه، وما أخبر الله تعالى به؛ ليفعل هذا ويصدق هذا، ونحن لا ننكر أن بعض الناس قد يتوقف فهمه لبعض الألفاظ على ما ذكره من المقدمات الظنية، لكن المنكر دعواه العموم والغلبة، فإن [ ص: 482 ] غالب آيات القرآن في حق غالب الناس لا يتوقف على عشر مقدمات ظنية كما ذكره، بل هذا من أظهر البهتان، وإن قدر أن بعض الآيات يتوقف على هذا في حق بعض الناس، فذلك لقوة جهله وبعده عن معرفة الرسول وما جاء به، كمن يكون حديث عهد بالإسلام، أو قد نشأ ببادية بعيدة عن دار العلم والإيمان، فإنه قد لا يعرف أن الله تعالى أوجب الحج والصيام، بل ولا الصلاة، ولا حرم الخمر، فلا يجعل هذا حكما في حق غالب المسلمين، كذلك إذا قدر أن بعض الناس لم يحصل له علم بمعنى بعض الآيات إلا لتوقف ذلك على أدلة ظنية في حقه، لم يلزم أن لا يحصل العلم بها وبغالب القرآن لغيره، وإن قدر أنه لم يحصل لم يجز أن يقال: إن العلم بالمراد غير ممكن، كما قال هذا القائل: إن شيئا من الأدلة اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيا، فنفى إمكان القطع عن شيء من الألفاظ، وهذا أشد فسادا من أن يقال: إن شيئا من الأدلة العقلية لا يمكن أن يكون قطعيا، لأن العلم بمراد المتكلم أظهر [ ص: 483 ] وأنشر وليس المراد بكون الدليل العقلي والسمعي قطعيا إلا كونه يدل على مراد المتكلم، ثم المتكلم إن كان ممن يعلم أن مراده حق، وأنهم معصومون من الكذب عمدا وخطأ فيما يبلغونه ويخبرون به عن الله تعالى، وهم قد أخبروا عن الله تعالى بهذا المعنى الذي أراده، فحينئذ نقطع بأن هذا حق في نفس الأمر، وأما إن لم يكن المتكلم كذلك، بل يجوز عليه الخطأ، فإنا نقطع بمراده، لا لكونه صوابا وحقا.

التالي السابق


الخدمات العلمية