الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى أَنَّ ثَنَاءَ مَنْ يُثْنِي عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ سَمِعَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ أَوْ أَنَّهُ عَارِفٌ، أَوْ وَقَفَ عَلَى بَعْضِ كَلَامِهِ الَّذِي هُوَ حَسَنٌ; مِثْلَ بَعْضِ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي « الْفُتُوحَاتِ»، وَبَعْضِ كَلَامِهِ فِي « مَطَالِعِ النُّجُومِ»، وَبَعْضِ حِكَايَاتِهِ فِي « الدُّرَّةِ الْفَاخِرَةِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنَّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ أَوْ رَآهُ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ قَوْلِهِ فِي « الْفُصُوصِ»، وَلَمْ يَعْرِفْ سِرَّ مَذْهَبِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى قَوْلِهِ، بَلْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ كَلَامُهُ بِالْبَاطِلِ تَبَرَّأَ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْكُفْرِيَّةِ الَّتِي فِي « الْفُصُوصِ» وَنَحْوِهِ، وَمِمَّنْ يَعْتَقِدُهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْمُجَادَلَةِ: 22]. وَأَمَّا نَفْسُ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا الْكَلَامِ مِثْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ مَا تَابَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ مَاتَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ، وَإِلَى اللَّهِ إِيَابُهُمْ وَعَلَى اللَّهِ حِسَابُهُمْ. ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ بَيْنَهُمْ مِنَ الِاتِّفَاقِ وَالِائْتِلَافِ، وَالطَّيِّبِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ وَالصَّبْرِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آلِ عِمْرَانَ: 102 - 103]. وَقَدْ كُتِبَ هَذَا الْكِتَابُ بِحَضْرَةِ الْمَشَايِخِ وَبِأَمْرِهِمْ، وَهُمْ جَمِيعًا يَأْمُرُونَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، مِنَ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، وَالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آلِ عِمْرَانَ: 105 - 107]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَالْفُرْقَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 159]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الرُّومِ: 31 - 32]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آلِ عِمْرَانَ: 19]، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَبْدَأَ التَّفَرُّقِ هُوَ الْبَغْيُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الْحُجُرَاتِ: 9 - 10]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ». وَقَالَ: « أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: « صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ». وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ». وَقَالَ: « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ». وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [الْمَائِدَةِ: 2]. وَقَالَ تَعَالَى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [الْعَصْرِ: 1 - 3]. فَهَذَا الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَهْوَاءِ الْمُفَرِّقَةِ وَالْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ; فَهِيَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَرَّةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَتَنَازَعَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ: يَا لَلْأَنْصَارِ! فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: « أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». وَقَالَ: « مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَتَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا». فَسَمِعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ -الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ (لَمْ يَكُنْ) - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا آلَ فُلَانٍ، فَقَالَ: اعْضُضْ أَيْرَ أَبِيكَ! فَقَالُوا: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! مَا كُنْتَ فَحَّاشًا، فَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ». وَقَالَ: « الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يُسْلِمُهُ وَلَا يَظْلِمُهُ». وَقَالَ: « انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: « تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَاكَ نَصْرُكَ إِيَّاهُ».

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية