الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
السؤال التاسع: أن ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعا، وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض، وبيانه من وجوه:

الأول: أن كل ما سوى الله فهو محدث، فتكون صحة الحدوث حكما مشتركا بينهما، فنقول: هذه الصحة حكم مشترك فلا بد لها من علة مشتركة.

والمشترك إما الحدوث أو الوجود، ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة، والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء، فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث، فوجب كونها معللة بالوجود، والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث، وهو محال.

الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم [ ص: 264 ] بالحجم، ثم يذكر التقسيم إلى آخره، حتى يكون الباري تعالى إما حجما أو قائما بالحجم، والقوم لا يقولون به.

الثالث: أن كل موجودين في الشاهد فلا بد وأن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه في أي جهة كان، ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود، والباري تعالى موجود، فوجب أن يصح على الباري كونه محايثا للعالم أو مباينا عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم، وذلك يقتضي أن لا يكون اختصاص الله بجهة فوق، بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال.

الرابع: أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثا للآخر أو مباينا عنه بالجهة، والمباين بالجهة لا بد وأن يكون جوهرا فردا أو يكون مركبا من الجواهر، وكون كل [ ص: 265 ] موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة- أعني كونه عرضا أو جوهرا فردا أو جسما مؤتلفا- لا بد وأن يكون معللا بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة، والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض.

الخامس: أن كل موجود يفرض مع العالم، فهو إما أن يكون مساويا للعالم أو زائدا عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار، وانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة حكم لا بد له من علة، ولا علة إلا بالوجود، والباري تعالى موجود، فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة، والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة.

قال: " واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة، لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قاهرة، ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسولة [ ص: 266 ] القاهرة، والاعتراضات القادحة. ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سببا لمزيد الأجر والثواب بمنه وفضله" ا هـ.

التالي السابق


الخدمات العلمية