الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قيل: قد تكرر ما ذكرتموه من كون الناس مضطرين إلى الإقرار بأن صانع العالم فوق، ولا ريب أن هذا قد قاله طوائف كثيرة من أهل الكلام والحديث والفقه والتصوف، وهو من أشهر حججهم وأدلتهم عند خاصتهم وعامتهم، لكن هذا مستلزم أن يكون الإقرار بالصانع فطريا ضروريا. فإنه إذا كان الإقرار بعلوه فطريا ضروريا فالإقرار به نفسه أولى أن يكون فطريا ضروريا؛ لأن العلم بالموصوف لا يجوز أن يتأخر عن العلم بالصفة، والعلم بالقضية المرادية لا يجوز أن يتأخر عن العلم بمفردها، فإذا كان العلم بمضمون قولنا: هو فوق، علما ضروريا، فالعلم به وبمعنى فوق أولى أن يكون ضروريا، وليس الأمر كذلك، فإن الإقرار بالصانع إنما هو معلوم بالنظر والاستدلال، كما هو مشهور عند العلماء النظار، ولهذا تنازعوا في أول الواجبات: هل العلم نفسه أو النظر المفضي إليه؟ على قولين.

[ ص: 565 ] وإن كان النزاع قد يقال: إنه لفظي لكون العلم واجبا لنفسه، والنظر واجبا وجوب الوسائل التي تجب لغيرها، وهذا نزاع مشهور في عامة الطوائف، وهو قولان لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم.

[ ص: 566 ] قيل له: من الناس من قد يقول في مثل هذا إن العلم بالتصديق والقضية المؤلفة إذا كان بديهيا ضروريا فقد يكون كذلك لكون تصور المفردين بديهيا، وهذا هو البديهي تصورا وتصديقا. وقد يكون تصور المفردين كسبيا نظريا، ولكن بعد حصول تصورهما يكون العلم بنسبة أحدهما إلى الآخر بديهيا ضروريا، لا يفتقر إلى وسط بينهما يكون دليلا على المطلوب. وإذا كان كذلك لم يجب إذا كان العلم بأنه فوق بديهيا ضروريا أن يكون العلم بمعناه وبمعنى فوق بديهيا ضروريا، لكن هذا القول لم يجب به، لأن القائلين بأن العلم بهذا بديهي ضروري قالوا: إنه فطري لبني آدم بدون نظر قياسي يكون سابقا على هذا العلم، فهم جعلوه من باب الفطري الضروري البديهي المطلق.

[ ص: 567 ] ولأن البديهي للتصديق دون التصور إنما يقف على ما يحصل له تصور المفردين لا يقف على ما يحصل به وجود المفردين في الخارج، فهب أن العلم بمسمى اسم الله فطري، لكن العلم بوجوده هو أيضا علم بتصديق كالعلم بعلوه، ولأن دعوى كون التصور مطلوبا يعلم بالحدود باطل، كما بيناه في غير هذا الموضع.

التالي السابق


الخدمات العلمية