الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( خلط المغصوب ) أو اختلط عنده ( بغيره ) كبر أبيض بأسمر أو بشعير وكغزل سدى نسجه بلحمته لنفسه ، وشمل كلامهم خلطه أو اختلاطه باختصاص كتراب بزبل ( وأمكن التمييز ) لكله أو بعضه ( لزمه وإن شق ) عليه ليرده كما أخذه ( فإن تعذر ) التمييز كخلط زيت بمثله أو شيرج وبر أبيض بمثله ، ودراهم بمثلها كما اقتضاه إطلاقهم وإن قال ابن الصباغ وغيره باشتراكهما ، وما فرق به من أن كل درهم متميز في نفسه بخلاف الزيت ونحوه منتقض بالحبوب ( فالمذهب أنه كالتالف فله تغريمه ) بدله سواء أخلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ لأنه لما تعذر رده أبدا أشبه التالف [ ص: 186 ] فيملكه الغاصب إن كان مما يقبل التملك ، فإن لم يكن كتراب أرض موقوفة خلطه بزبل وجعله آجرا غرم مثله ورد الآجر للناظر ، ولا نظر لما فيه من الزبل لاضمحلاله بالنار ، قاله بعضهم ، ومع تملكه المذكور فالأوجه كما مر أنه يحجر عليه فيه حتى يؤدي مثله لمالكه ، ويكفي كما أفتى به المصنف أن يعزل من المخلوط : أي بغير الأردإ قدر حق المغصوب منه ويتصرف في الباقي كما يأتي ، وبهذا مع ما يأتي أيضا سقط ما أطال به السبكي من الرد والتشنيع على القول بملكه بل هو تغليظ عليه مناسب للتعدي حيث علقنا الحق بذمته بعد خلوها عنه ، وإنما قلنا بالشركة في نظيره من المفلس لئلا يحتاج للمضاربة بالثمن وهو إضرار به ، وهنا الواجب المثل فلا إضرار ، ومن ثم لو فرض فلس الغاصب أيضا لم يبعد كما في المطلب جعل المغصوب منه أحق بالمختلط من غيره ، ولو خلط مثليا مغصوبا بمثله مغصوب برضا مالكه أولا أو انصب كذلك بنفسه فمشترك لانتفاء التعدي كما قال البلقيني المعروف عند [ ص: 187 ] الشافعية أنه لا يملك منه شيئا ولا يكون كالهالك وأفتى الوالد رحمه الله تعالى وإن جزم ابن المقري بخلافه ، ويؤيد الأول ما أفتى المصنف ، وفرق بأنه إنما ملكه في الخلط بما له تبعا لما له ولا تبعية هنا ، ومن أنه لو غصب من جمع دراهم مثلا وخلطها خلطا لا يتميز ثم فرق عليهم المخلوط بقدر حقوقهم حل لكل منهم قدر حصته ، فإن خص أحدهم بحصته لزمه أن يقسم ما أخذه عليه وعلى الباقين بالنسبة إلى قدر أموالهم ; هذا كله عند معرفة المالك أو الملاك كما تقرر ، أما مع جهلهم فإن لم يحصل اليأس من معرفتهم وجب إعطاؤها للإمام ليمسكها أو ثمنها لوجود ملاكها وله اقتراضها لبيت المال ، وإن أيس منها : أي عادة كما هو ظاهر صارت من أموال بيت المال ، فلمتوليه التصرف فيها بالبيع وإعطاؤها لمستحق شيء من بيت المال وللمستحق أخذها ظفرا ولغيره أخذها ليعطيها للمستحق كما هو ظاهر ، وقد صرح ابن جماعة وغيره بذلك ، وقول الإمام كغيره لو عم الحرام قطرا بحيث ندر وجود الحلال جاز أخذ المحتاج إليه وإن لم يضطر بلا تبسط محمول على توقع معرفة أهله وإلا فهو لبيت المال فيصرف للمصالح وخرج بخلط واختلط عنده الاختلاط من غير تعد كأن سال بر على مثله فيشترك مالكاهما بحسبهما فإن استويا قيمة فبقدر كيلهما ، وإن اختلفا قيمة بيعا وقسم الثمن بينهما بحسب حقهما كما يأتي في نظيره من اختلاط [ ص: 188 ] حمام البرجين وتمتنع قسمة الحب على قدر قيمتها للربا

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولو خلط المغصوب ) شمل ما لو وكله في بيع مال أو في شراء شيء أو أودعه عنده فخلطه بمال نفسه فيلزمه تمييزه إن أمكن وإلا فيجب رد بدله لأنه كالتالف ، ومنه يؤخذ جواب ما وقع السؤال عنه في الدرس من أن شخصا وكل آخر في شراء قماش من مكة مثلا فاشتراه وخلطه بمثله من مال نفسه ، وهو أنه كالتالف ( قوله : ودراهم بمثلها ) أو بدراهم مثلها للغاصب ، فإن غصبهما من اثنين [ ص: 186 ] وخلطهما اشتركا فيهما ( قوله كتراب أرض موقوفة ) أفهم أن تراب المملوكة إذا خلطه بالزبل يملكه الغاصب بخلطه ، وإن جعله آجرا فلا يرده لمالكه ، وإنما يرد مثل التراب ، وقياس رد الزيت المتنجس وجلد الشاة أن يرده لمالكه لأنه أثر ملكه ، إلا أن يقال : الزيت المتنجس لا يمكن تملكه بوجه ، والتراب المخلوط بالزبل يمكن الحكم بملك الغاصب له لأنه وإن اختلط بالزبل عينه باقية ، ونجاسته إنما هي للزبل المخالط له ، والمنع من بيعه إنما هو لتعذر تمييز الزبل من التراب فبقي للغاصب لتعذر رده مع كونه في نفسه قابلا للملك

                                                                                                                            ( قوله : لاضمحلاله بالنار ) بقي ما لو كان لبنا ا هـ سم على حج ، وينبغي أنه إن أمكن تمييز ترابه من الزبل بعد بله لزمه وإلا رده للناظر كالآجر وغرم مثل التراب ( قوله : ويتصرف في الباقي إلخ ) قضية ذلك أن الحجر عليه إنما هو في القدر المغصوب لا في جميع المخلوط حتى يصح بيع ما عدا القدر المغصوب شائعا قبل العزل فليتأمل ا هـ على حج .

                                                                                                                            أقول : ولا مانع من ذلك لكن لو تلف ما أفرزه للمغصوب منه هل يضمن بدله لتعينه بإفرازه أو يتبين عدم الاعتداد بالإفراز حتى لا يجوز له التصرف فيما بقي إلا بعد إفراز قدر التالف ، وأنه لو كان تصرف في الباقي قبل تلف المفرز يتبين بطلان تصرفه في قدر المغصوب ، فيه نظر ، والأقرب الثاني ; لأن الغاصب لا يبرأ من الضمان إلا بعد رد المغصوب أو بدله ، وحيث تلف ما عين له تبين بقاء حقه في جهة الغاصب نظرا لما في نفس الأمر ( قوله وبهذا إلخ ) أي أن الأوجه أنه يحجر عليه إلخ ( قوله : برضا مالكه ) أي جنس المالك الصادق بالمالكين

                                                                                                                            ( قوله : أو انصب ) قد يخالف قوله : أو اختلط عنده حيث جعله ثم كالتالف وهنا مشتركا ، ويجاب بأن ما مر من قوله بغيره المراد من مال الغاصب وما هنا بغيره فلا تناقض . هذا والأولى أن يقال ما سبق من قوله أو اختلطا عنده مصور بما إذا أمكن تمييز المخلوط لما يأتي في قوله وخرج بخلط إلخ ( قوله : لانتفاء التعدي ) هذا لا يأتي فيما لو خلط بغير إذن من الشريك المشار إليه [ ص: 187 ] بقوله أولا إلا أن يقال : المراد لانتفاء التعدي من المالكين ( قوله أنه ) أي الغاصب ( قوله : ويؤيد الأول ) هو قوله فمشترك ( قوله : ما أفتى به المصنف ) أي السابق في قوله : ويكفي كما أفتى به المصنف أن يعزل إلخ ( قوله : ومن أنه ) عطف على ما تضمنه ما أفتى به المصنف من قوله : أن يعزل إلخ ( قوله : وإن أيس منها ) أي المعرفة ، وليس من هذا ما يقبض بالشراء الفاسد من جماعة بل يتصرف فيه من باب الظفر لأنه دفع في مقابلته الثمن وتعذر عليه استرجاعه مع أنه لا مطالبة به في الآخرة لأخذه برضا مالكيه ( قوله : ولغيره أخذها إلخ ) أي ومن الغير الغاصب فله الأخذ من ذلك ورده للمغصوب منه أو لوارثه ( قوله : وإلا ) أي يتوقع معرفة أهله فهو : أي جميع ما في ذلك القطر وإن كان بأيد موضوعة عليه ( قوله : فيشترك مالكاهما بحسبهما ) أي فلو تنازعا في قدر السائل أو قيمته صدق صاحب البر الذي سال إليه غيره ; لأن اليد له ، فلو اختلطا ولم يعلم يد لأحدهما كأن سال كل منهما إلى الآخر واختلط وقف الأمر إلى الصلح

                                                                                                                            [ فرع ] سئل سم في الدرس عمن بذر في أرض بذرا وبذر بعده آخر على بذره هل يملك الثاني بذر الأول للخلط ويلزمه للأول بدل بذره ؟ فأجاب بأن الذي ينبغي أن يقال : إن الثاني إن عد مستوليا على الأرض ببذره ملك بذر الأول وكان البذر للثاني ، ولزمه للأول بدل بذره لأنه إذا استولى على الأرض كان غاصبا لها ولما فيها ، وإن لم يعد الثاني مستوليا ببذره على الأرض لم يملك الثاني بذر الأول وكان الزرع بينهما بحسب بذرهما .

                                                                                                                            وعبارة العباب : فرع : من بث بذره على بذر غيره من جنسه ونوعه وأثار الأرض انقطع حق الأول وغرم له الثاني مثله ، وأما لو اختلف الجنس كأن كان البذر الثاني غير الأول كأن بذر الأول حنطة مثلا ، والآخر باقلا فلا يكون بذر الأول كالتالف ا هـ وقد أفتى الشيخ الرملي في هذه بأن النابت من بذرهما لهما وعليهما الأجرة ، وهذا بخلاف ما لو غصب بذرا وزرعه في أرضه فإنه يكون لمالكه ، وعلى الغاصب أرش النقص ا هـ .

                                                                                                                            وقول العباب : وغرم الثاني مثله ، أفتى شيخنا الزيادي رحمه الله بأن القول قول الثاني في قدره والله أعلم ا هـ .

                                                                                                                            هكذا رأيته بهامش بخط بعض الفضلاء .

                                                                                                                            وقول سم إن عد مستوليا على الأرض : أي كأن كان أقوى من الأول أو كان بذره أكثر [ ص: 188 ] من بذر الأول



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : أو اختلط عنده ) هذا إنما يتأتى في الشق الأول وهو ما يمكن تمييزه ، أما في الشق الثاني فهو حينئذ يكون مشتركا كما نقله الشهاب سم عن الشارح ( قوله : كبر أبيض بأسمر إلخ ) الذي ينبغي ذكر هذا عقب قول المتن وأمكن التمييز ; لأن هذه أمثلته ، والكلام هنا في مطلق الخلط الشامل لما يمكن تمييزه كالأمثلة المذكورة هنا وما لا يمكن كالأمثلة الآتية في قوله كخلط زيت بمثله إلخ ( قوله : لنفسه ) انظر ما الداعي له مع الإضافة في لحمته ؟ ( قوله : كما اقتضاه إطلاقهم ) أي : في مسألة الدراهم [ ص: 186 ] قوله : أي : بغير الأردإ ) أي ; لأنه حينئذ يجوز أن يدفع للمالك من عينه ، بخلاف المخلوط بالأردإ .

                                                                                                                            وقضية التوجيه أن ما لا يجوز فيه ذلك كجعل البر هريسة كذلك فليراجع . ( قوله : وبهذا ) أي : كونه يحجر عليه حتى يؤدي مثله ، وقوله : مع ما يأتي : أي : في شرح المتن الآتي ( قوله : بل هو تغليظ عليه ) عطف على ما فهم من السياق .

                                                                                                                            والمعنى إن اندفع بما ذكر تشنيع السبكي الذي حاصله أن ما قاله الأصحاب من ملك الغاصب بالخلط تخفيف عليه ; لأنه ليس تخفيفا عليه بل هو تغليظ عليه إلخ . ( قوله : ; لانتفاء التعدي ) قاصر على ما إذا اختلط بنفسه ، وكلام البلقيني وغيره إنما هو في خصوص ما إذا خلطهما بغير رضا مالكيهما كما يعلم بمراجعة شرح الروض وبه تعلم ما في سياق الشارح ، وأيضا فقوله : برضا مالكيه وقوله : أو انصب بنفسه ليس من صور المغصوب بالخصوص كما يعلم من شرح الروض أيضا على أن هاتين المسألتين [ ص: 187 ] كرر إحداهما في قوله الآتي وخرج بخلط أو اختلط عنده الاختلاط من غير تعد إلخ . ( قوله : ويؤيد الأول ما أفتى به المصنف ) أي : الآتي على الأثر في قوله ومر أنه لو غصب من جمع دراهم إلخ . ( قوله : وفرق ) أي بين مسألة البلقيني وبين ما حمل [ ص: 188 ] عليه الشارح كلام المتن من كون الغير للغاصب




                                                                                                                            الخدمات العلمية