الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إذا ظهر ذلك فقوله: "صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلا في الحيز، وإلى ما يكون، ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية، ولا ثبوتها، فقياس أحدهما بالآخر بعيد".

يقال له: ليس هذا بموازنة عادلة؛ لأن قوله الموجود إما أن يكون حاصلا في الحيز أو لا يكون؛ إما أن يريد بالحيز أمرا وجوديا منفصلا عن المتحيز، أو لا يريد بالحيز شيئا وجوديا منفصلا عن المتحيز؛ فإن أراد الأول كان ذلك نظير قول القائل: الموجود إما أن يكون في الزمان أو لا يكون، إذا أراد بالزمان [ ص: 139 ] تقدير حركات الفلك وما يجري مجرى ذلك في الأمور الوجودية؛ فإن كلا هذين القسمين مضمونه أن الموجود إما أن يكون في مكان وجودي أو زمان وجودي منفصل عنه، أو لا يكون، وهذا تقسيم صحيح؛ فإن كل موجود لو احتاج إلى مكان وجودي وزمان وجودي منفصل عنه، لكان ذلك المكان الموجود والزمان الموجود يحتاج إلى مكان آخر موجود منفصل عنه، وزمان آخر موجود منفصل عنه؛ وذلك يقتضي التسلسل إذا أريد به غير الأول، وإن أريد به الأول فإن أريد به العلة أفضى إلى الدور وإلا فليس ذلك محالا إذا جعل كل منهما زمانا للآخر، أو سمي حيزا له.

وأما إن أراد بالحيز ما ليس بشيء وجودي منفصل عن المتحيز، إما أمر عدمي أو شيء قام بالمتحيز، أو نوع إضافة، ونحو ذلك مما لا بد للقائم بنفسه منه أو لا بد للجسم منه، فهذا [ ص: 140 ] نظير ما يعني بالدهر، إذا أريد بالدهر نحو ذلك من أمر عدمي أو بعض صفات الحي، أو أمر إضافي، أو نحو ذلك. فإنه كما يقال: إن الحيز تقدير المكان، فإنه يقال: الدهر تقدير الزمان. وكما يقدر الذهن فيهما العالم أحيازا عدمية، هي تقدير الأمكنة، فإنه يقدر قبل العالم دهورا عدمية، هي تقدير الأزمنة، وهذا هو الذي يجعله بعض الفلاسفة أمرا وجوديا كما يذكر ذلك عن أفلاطون ويحكون أنه يثبت المادة والمدة والخلا والمثل الأفلاطونية [ ص: 141 ] وأرسطو صاحبه، وجمهور العقلاء يعلمون أن هذه إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان؛ بل العقلاء يعلمون أن ما بينه أرسطو وأتباعه من الهيولى المطلقة إنما هي أيضا في الأذهان لا في الأعيان؛ بل وكذلك ما يثبتونه من العقول المحرفات.

وإذا كان كذلك: فتقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلا في [ ص: 142 ] الحيز وما لا يكون نظيره تقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلا في الذهن وما لا يكون، ومعلوم أن هذا تقسيم ذهني لا خارجي، وإلا فكل موجود في الخارج فهو في الذهن ومعلوم بهذا التفسير. فكذلك كل موجود في الخارج فهو في الحيز بهذا التفسير، وليس من الموجودات شيء يمتنع عليه أن يقال هو في أمر عدمي، وإن سمي ذلك العدمي حيزا أو دهرا، ولا في الموجودات ما يمتنع أن يضاف إليه أو ينتسب إليه شيء؛ بل إذا كان لا موجود إلا ويمكن أن يقارنه ما يقدر فيه الزمان؛ فلا موجود إلا ويقارنه ما يقدر فيه المكان، وأما خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فنظيره خلو الشيء عن ثبوت الفوقية ولا ثبوتها.

فقول القائل: إما أن يكون للشيء أول، أو يكون مسبوقا بغيره، أو لا يكون؛ فإن كان له أول فهو العالم المحدث، وإن لم يكن له أول فهو الرب القديم، نظيره قول القائل: إما أن يكون للشيء فوق بمعنى أنه علاه غيره، أو لا يكون؛ فإن علاه غيره فهو العالم، وإن لم يعله غيره فهو الرب الأعلى سبحانه وتعالى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، [ ص: 143 ] وأنت الباطن فليس دونك شيء".

وكذلك إذا فسر المحدث بالذي كان بعد أن لم يكن، أو بالمسبوق بعدم نفسه، وقيل يكون مسبوقا بتقدير زمان، فإنه يفسر الأسفل بالذي يمكن لأن يعلوه غيره، ويقال هو مخصوص بعلم ما يمكن بتقدير موجود فيه، وإذا قيل الأول القديم هو الذي لم يزل موجودا وهو الذي لم يسبقه شيء، فتفسير الظاهر بأنه العلي الأعلى، وهو الذي لا يعلوه شيء، وإذا قيل إن الباري لم يسبقه عدم يصلح لتقدير الزمان، قيل إنه لا يعلوه عدم يصلح لتقدير المكان؛ فكما لا يمكن أن يكون شيء قبله، لا يمكن أن يكون شيء فوقه؛ بل هو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء".

[ ص: 144 ] وقد تكلمنا بنحو من ذلك في أول هذا الحكم العادل بينه وبين منازعه، الذي خلصنا فيه ما التبس من الحق بالباطل في تأسيسه ولكنا تكلمنا هنا على ما ذكره في نهايته. وقد ظهر بما ذكرناه أنه عمد إلى تقدير المكان والزمان، فذكر في أحدهما المقارنة له، وذكر تقسيم الموجود إلى المقارن له وغير المقارن، وذكر في الآخر الذي في القسمين جميعا المقارنة له؛ لكن .. فتتميمها إلى المقارن المطلق والمقيد. وليست هذه موازنة عادلة، ومقايسة صحيحة، وتمثيلا مطابقا في الموضعين، بل هذا من الأقيسة الفاسدة الجائرة الظالمة؛ بل يجب أن يوزن، ونسبة كل واحد بنظيره، وحينئذ فيكون في كل من الصنفين نوعان، فيجيء المجموع أربعة كما ذكرناه.

التالي السابق


الخدمات العلمية