الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإن قال وحق الله فهو يمين [ ص: 134 ] في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وإحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وفي الرواية الأخرى لا يكون يمينا ; لأن حق الله على عباده الطاعات ، كما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم في { قوله لمعاذ : أتدري ما حق الله تعالى على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا } . والحلف بالطاعات لا يكون يمينا . وجه قوله أن معنى وحق الله والله الحق ، والحق من صفات الله تعالى قال الله تعالى { : ذلك بأن الله هو الحق } ، ولا خلاف أنه لو قال : والحق لا أفعل كذا أنه يمين كقوله : والله . قال الله تعالى { : ولو اتبع الحق أهواءهم } ، ولو قال حقا لا يكون يمينا ; لأن التنكير في لفظه دليل على أنه لم يرد به اسم الله ، وإنما أراد به تحقيق الوعد معناه أفعل هذا لا محالة فلا يكون يمينا . قال الشيخ الإمام رحمه الله تعالى : وقد بينا في باب الإيلاء من كتاب الطلاق ألفاظ القسم ما اتفقوا عليه ، وما فيه اختلاف ، كقولهم هو يهودي أو نصراني أو مجوسي .

وقد روي عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال : إذا قال : هو يهودي إن فعل كذا ، وهو نصراني إن فعل كذا فهما يمينان ، وإن قال : هو يهودي هو نصراني إن فعل كذا فهي يمين واحدة ; لأن في الأول كل واحد من الكلامين تام بذكر الشرط والجزاء ، وفي الثاني الكلام واحد حين ذكر الشرط مرة واحدة ، ولو حلف على أمر في الماضي بهذا اللفظ فإن كان عنده أنه صادق فلا شيء عليه ، وإن كان يعلم أنه كاذب ، كان محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى يقول : يكفر ; لأنه علق الكفر بما هو موجود ، والتعليق بالموجود تنجيز ، فكأنه قال : هو كافر وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يكفر اعتبارا للماضي بالمستقبل ، ففي المستقبل هذا اللفظ يمين يكفرها كاليمين بالله تعالى ففي الماضي هو بمنزلة الغموس أيضا . والأصح أنه إن كان عالما يعرف أنه يمين فإنه لا يكفر به في الماضي والمستقبل ، وإن كان جاهلا وعنده أنه يكفر بالحلف يصير كافرا في الماضي والمستقبل ; لأنه لما أقدم على ذلك الفعل ، وعنده أنه يكفر به فقد صار راضيا بالكفر ، ومن هذا الجنس تحريم الحلال فإنه يمين يوجب الكفارة عندنا ، وقال الشافعي : لا يكون يمينا إلا في النساء والجواري ; لأن تحريم الحلال قلب الشريعة ، واليمين عقد شرعي ، فكيف ينعقد بلفظ هو قلب الشريعة ؟ ولأنه ليس في هذا المعنى تعظيم المقسم به ، ولا معنى الشرط والجزاء من حيث إنه بوجود الشرط لا يثبت - عين ما علق به من الجزاء ، أو اليمين يتنوع بهذين النوعين .

( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل على نفسه ، وقيل : حرم مارية على [ ص: 135 ] نفسه فيعمل بهما أو لما ثبت بهذه الآية أن التحريم المضاف إلى الجواري يكون يمينا ، فكذلك التحريم المضاف إلى سائر المباحات كقوله : والله ، فكما أن هناك عند وجود الشرط لا يثبت ما علق به من التحريم ، فكذلك في الجواري ، ثم معنى اليمين في هذا اللفظ يتحقق بالقصد إلى المنع أو إلى الإيجاب ; لأن المؤمن يكون ممتنعا من تحريم الحلال ، وإذا جعل ذلك بيمينه علامة فعله عرفنا أنه قصد منع نفسه عن ذلك الفعل ، كما في قوله : والله ; لأنه ثبت أن الإنسان يكون ممتنعا من هتك حرمة اسم الله تعالى فكان يمينا ، وعلى هذا القول في قوله : هو كافر إن فعل كذا كان يمينا ; لأن حرمة الكفر حرمة تامة مصمتة كهتك حرمة اسم الله تعالى فإذا جعل فعله علامة لذلك كان يمينا ، فأما إذا قال : هو يأكل الميتة أو يستحلها أو الدم أو لحم الخنزير إن فعل كذا ، فهذا لا يكون يمينا ; لأن هذه الحرمة ليست بحرمة تامة مصمتة ، حتى أنه ينكشف عند الضرورة ، وكذلك قوله : هو يترك الصلاة والزكاة إن فعل كذا ; لأن ذلك يجوز عند تحقق الضرورة والعجز ، فلم يكن معنى اليمين من كل وجه ، ولو ألحق به باعتبار بعض الأوصاف لكان قياسا ، ولا مدخل للقياس في هذا الباب ، وكذلك لو حلف بحد من حدود الله تعالى أو بشيء من شرائع الإسلام ، لم يكن يمينا ; لأنه حلف بغير الله تعالى ولأن الحلف بهذه الأشياء غير متعارف ، وقد بينا أن العرف معتبر في اليمين ، ولو قال : عليه لعنة الله أو غضب الله أو أمانة الله ، أو عذبه الله بالنار ، أو حرم عليه الجنة إن فعل كذا فشيء من هذا لا يكون يمينا ، إنما هو دعاء على نفسه . قال الله تعالى { ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير } ; ولأن الحلف بهذه الألفاظ غير متعارف .

التالي السابق


الخدمات العلمية