الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإن قال : اشتر لي حمارا ، ولم يسم الثمن فهو جائز ; لأن الجنس صار معلوما بالتسمية ، وإن بقيت الجهالة في الوصف ، فسخ الوكالة بدون تسمية الثمن ، فإن قيل : لا كذلك ، فإن الحمير أنواع : منها ما يصلح لركوب العظماء ، ومنها ما لا يصلح إلا للحمل عليها ، قلنا : هذا اختلاف الوصف مع أن ذلك يصير معلوما بمعرفة حال الموكل ، حتى قالوا بأن القاضي إذا أمر إنسانا بأن يشتري له حمارا فإنه ينصرف إلى ما يركبه مثله ، حتى لو اشتراه مقطوع الذنب ، أو الأذنين ، فإنه لا يجوز عليه ، بخلاف ما إذا أمره الفاليري بذلك ، وإذا أمره أن يشتري له ثوبا ، لم يجز ، وإن سمى الثمن ; لأن الثوب يشتمل على أجناس مختلفة ، فبالتسمية لا يصير الجنس معلوما ، وإن قال : اشتر لي ثوبا هرويا جاز على الآمر ما اشترى من ذلك الجنس ، وإن لم يسم الثمن ; لأن الجهالة إنما بقيت في الصفة ، ولكن إنما ينفذ على الآمر ، إذا اشتراه بما يتغابن الناس في مثله ، فإن اشتراه بما لا يتغابن الناس في مثله ، كان مشتريا لنفسه ; لأنه تعذر تنفيذ شرائه على الآمر ، لما بينا ، وأمكن تنفيذه على العاقد ، فصار مشتريا لنفسه ، وإن سمى ثمنا فزاد عليه شيئا ، لم يلزم الآمر ; لأنه خالف ما سمى [ ص: 41 ] له إلى ما هو أضر عليه ، وكذلك إن نقص من ذلك الثمن ; لأنه لم يحصل مقصود الآمر ، فإن مقصوده ثوب يهودي يشترى له بالثمن لا بما دونه ، والجيد يشترى بعشرة ، فإذا اشتري بثمانية كان رديئا ، إلا أن يكون وصف له صفة وسمى له ثمنا ; فاشترى بتلك الصفة بأقل من ذلك الثمن ، فحينئذ يجوز على الآمر ; لأنه حصل مقصوده حين اشتراه بتلك الصفة ; وخالفه إلى ما هو خير له حين اشتراه بأقل من ذلك الثمن ، وهذا لا يعد في العرف خلافا .

التالي السابق


الخدمات العلمية