الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا وكله بالخصومة وهو مقيم بالبلد لم يقبل ذلك منه ، إلا برضا من خصمه أو يكون مريضا أو غائبا مسيرة ثلاثة أيام ، والرجال والنساء والثيب والبكر في ذلك سواء في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ، وكان ابن أبي ليلى - رحمه الله - يقول " للبكر أن توكل بغير رضا الخصم " ، وكان أبو يوسف - رحمه الله - يقول أولا : " للمرأة أن توكل بذلك بكرا كانت أو ثيبا إذا لم يكن مروءة " ، وفي قوله الآخر وهو قول محمد والشافعي - رحمهما الله - : " الرجل والمرأة سواء في ذلك ، لهم التوكيل بغير رضا الخصم " ووجه هذا القول : أن التوكيل حصل بما هو من خالص حق الموكل ، فيكون صحيحا بغير رضا الخصم ، كالتوكيل بالقبض والإيفاء والتقاضي ، وبيان ذلك أنه وكله بالجواب الذي هو إنكار ، ومن أفسد هذا التوكيل إنما يفسده من هذا الوجه ، فإن التوكيل بالإقرار صحيح ، والإنكار خالص حق الموكل ; لأنه يدفع به الخصم عن نفسه فعرفنا أنه وكله بما هو من خالص حقه ، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : " هو بهذا التوكيل قصد الإضرار بخصمه فيما هو مستحق عليه فلا يملكه إلا برضاه كالحوالة بالدين " ومعنى هذا الكلام أن الحضور والجواب مستحق عليه ، بدليل أن القاضي يقطعه عن أشغاله ويحضره ليجيب خصمه ، وإنما يحضره لإيفاء حق مستحق عليه ، والناس يتفاوتون في هذا الجواب ، فرب إنكار يكون أشد دفعا للمدعي من إنكار ، والظاهر أن الموكل إنما يطلب من الوكيل ، وذلك الأشد الذي لا يتأتى منه لو أجاب الخصم بنفسه وفيه إضرار بالخصم ، إلا أن أبا يوسف ومحمدا - رحمهما الله - قالا : ذلك حق الموكل [ ص: 8 ] لو أتى به بنفسه كان مقبولا منه ، وصحة التوكيل باعتبار ما هو حق للموكل دون ما ليس الأشد لحق له كما بيناه في المسألة الأولى .

أبو حنيفة - رحمه الله - بنى على العرف الظاهر هنا ، وقال : الناس إنما يقصدون بهذا التوكيل أن يشتغل الوكيل بالحيل الأباطيل ، ليدفع حق الخصم عن الموكل ، وأكثر ما في الباب أن يكون توكيله بما هو من خالص حقه ، ولكن لما كان يتصل به ضرر بالغير من الوجه الذي قلنا لا يملك بدون رضاه - كمن استأجر دابة لركوبه أو ثوبا للبسه - لا يملك أن يؤاجره من غيره ، وإن كان يتصرف في ملكه ، وهي المنفعة ولكن يتصل به ضرر بملك الغير وهو العين ، لأن الناس يتفاوتون في اللبس والركوب ، فكذلك أحد الشريكين في العبد إذا كاتبه كان للآخر أن يفسخ ، وإن حصل تصرف المكاتب في ملكه لا ضرر يتصل بالشريك ، وهذا بخلاف التوكيل بالقبض والإيفاء ، فإن الحق معلوم بصفته ، فلا يتصل بهذا التوكيل ضرر بالآخر ، وكذلك التقاضي له حد معلوم منع الوكيل من مجاوزة ذلك الحد ، لئلا يتضرر به الخصم ، فأما الخصومة فليس لها حد معلوم يعرف حتى إذا جاوزه منع منه فلهذا شرطنا رضا الخصم ، وهذا الشرط ليس مؤثرا في صحة الوكالة ، فالتوكيل صحيح ولكن الكلام في إسقاط حق المطالبة بجواب الموكل ، ولهذا لا يشترط رضا الخصم في التوكيل عند غيبة الموكل أو مرضه ; لأنه ليس للخصم حق المطالبة بإحضار الموكل فلا يكون في التوكيل إسقاط حق مستحق عليه ، وهو نظير شهادة الفروع على شهادة الأصول ، فإنها تصح عند مرض الأصول وغيبتهم مدة السفر ، ولا تصح عند حضورهم لاستحقاق الحضور بأنفسهم للأداء في هذه الحال ، وابن أبي ليلى - رحمه الله - كان يقول : " المقصود بإحضار البكر لا يحصل لأنها تستحي فتسكت ، والشرع مكنها من ذلك فجاز لها أن توكل بغير رضا الخصم " ، وهكذا يقول أبو يوسف - رحمه الله - في المرأة التي ليست معتادة مخالطة الرجال ، فإنها لا تتمكن من هذا الجواب إذا حضرت مجلس الحكم ، فإن حشمة القضاء تمنعها من ذلك ، وإذا كان المقصود لا يحصل بحضورها جاز لها أن توكل ، والذي نختاره في هذه المسألة من الجواب أن القاضي إذا علم من المدعي التعنت في إباء الوكيل ، لا يمكنه من ذلك ويقبل التوكيل من الخصم ، وإذا علم من الموكل القصد إلى الإضرار بالمدعي في التوكيل ، لا يقبل ذلك منه إلا برضا الخصم ، فيصير إلى دفع الضرر من الجانبين .

التالي السابق


الخدمات العلمية