الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
، فإن أقر الوكيل على الذي وكله بالخصومة مطلقا في القياس ، لا يجوز إقراره ، سواء كان في مجلس القاضي ، أو في غير مجلس القاضي ، وهو قول أبي يوسف الأول ، وقول زفر والشافعي - رحمهم الله - ثم رجع أبو يوسف - رحمه الله - فقال يصح إقراره في مجلس القاضي ، وفي غير مجلس [ ص: 5 ] القاضي إقراره باطل ، وجه القياس أنه وكله بالخصومة ، والخصومة اسم لكلام يجري بين اثنين على سبيل المنازعة والمشاحة ، والإقرار اسم لكلام يجري على سبيل المسالمة والموافقة ، وكان ضد ما أمر به ، والتوكيل بالشيء لا يتضمن ضده ، ولهذا لا يملك الوكيل بالخصومة الهبة والبيع أو الصلح ، والدليل عليه : بطلان إقرار الأب والوصي على الصبي مع أن ولايتهما أعم من ولاية الوكيل .

وأبو يوسف - رحمه الله - يقول : " الموكل أقام الوكيل مقام نفسه مطلقا فيقتضي أن يملك ما كان الموكل مالكا له ، والموكل مالك للإقرار بنفسه في مجلس القضاء وفي غير مجلس القضاء ، فكذلك الوكيل ، وهذا ; لأنه إنما يختص بمجلس القضاء ما لا يكون موجبا إلا بانضمام القضاء إليه كالبينة واليمين ، فأما الإقرار فهو موجب للحق بنفسه ، سواء حصل من الوكيل أو من الموكل ، فمجلس القضاء فيه وغير مجلس القضاء سواء .

" وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - قالا : حقيقة الخصومة ما قال زفر رحمه الله ولكنا تركنا هذه الحقيقة وجعلنا هذا توكيلا مجازا بالجواب ، والإقرار جواب تام وإنما حملناه على هذا المجاز ; لأن توكيله إنما يصح شرعا بما يملكه الموكل بنفسه ، والذي يتيقن به أنه مملك للموكل الجواب لا الإنكار ، فإنه إذا عرف المدعي محقا لا يملك الإنكار شرعا ، وتوكيله فيما لا يملك لا يجوز شرعا ، والديانة تمنعه من قصد ذلك ، فلهذا حملناه على هذا النوع من المجاز كالعبد المشترك بين اثنين ، يبيع أحدهما نصيبه فينصرف بيعه إلى نصيبه مطلقا ليصحح عقدة هذا الطريق ، غير أنه إنما سمى الجواب خصومة مجازا ، إذا حصل في مجلس القضاء ; لأنه لما ترتب على خصومة الآخر إياه سمي باسمه كما قال الله تعالى : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، والمجازاة لا تكون سيئة حقيقة ; ولأن مجلس الحكم الخصومة ، فما يجري فيه يسمى خصومة مجازا ، وهذا لا يوجد في غير مجلس القضاء ; ولأنه إنما استعان بالوكيل فيما يعجز عن مباشرته بنفسه - وذلك فيما يستحق عليه والمستحق عليه إنما هو الجواب في مجلس الحكم بخلاف الأب والوصي - فإن تصرفهما مقيد بشرط الأنظر والأصلح ، قال الله تعالى { قل إصلاح لهم خير } وقال عز وجل : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ، وذلك لا يظهر بالإقرار ، فلهذا لا يملكه ، وإن وكله بالخصومة غير جائز الإقرار عليه ، صح الاستثناء في ظاهر الرواية ، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يصح ; لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل ، وهذا حكم الوكالة فلا يصح استثناؤه .

كما لو وكل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل الثمن ، أو لا يسلم المبيع ، كان الاستثناء باطلا ، فأما في ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح ; لأن صحة إقرار [ ص: 6 ] الوكيل - باعتبار ترك حقيقة اللفظ إلى نوع من المجاز - فهو بهذا الاستثناء يبين أن مراده حقيقة الخصومة ، لا الجواب الذي هو مجاز ، بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعا من النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه ، خاصة عند التنصيص عليه بخلاف ما إذا أطلق ، والثاني أن صحة إقراره وإنكاره عند الإطلاق لعموم المجاز ; لأن ذلك جواب ، ولاعتبار المناظرة في المعاملات بالمناظرة في الديانات منع موضعه ، فإذا استثني الإقرار كان هذا استثناء لبعض ما تناوله مطلق الكلام ، أو هو بيان مغاير لمقتضى مطلق الكلام فيكون صحيحا ، كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها ماشيا أو راكبا حنث لعموم المجاز ، فإن قال في يمينه ماشيا فدخلها راكبا لم يحنث لما قلنا ، وعلى هذا الطريق إنما يصح استثناؤه الإقرار موصولا لا مفصولا عن الوكالة ، وعلى الطريق الأول يصح استثناؤه موصولا ومفصولا ، قالوا وكذلك لو استثني الإنكار صح ذلك عند محمد - رحمه الله - خلافا لأبي يوسف - رحمه الله - وهذا لأن إنكار الوكيل قد يضر الموكل ، بأن كان المدعى وديعة أو بضاعة فأنكر الوكيل لم يسمع منه دعوى الرد والهلاك بعد صحة الإنكار ، ويسمع منه ذلك قبل الإنكار ، فإذا كان إنكاره قد يضر الموكل صح استثناؤه الإقرار ، ثم إذا أقر الوكيل في غير مجلس القاضي فلم يصح إقراره عندهما ، كان خارجا من الوكالة وليس له أن يخاصم بعد ذلك ; لأنه يكون مناقضا في كلامه ، والمناقض لا دعوى له فيستبدل به ، كالأب والوصي إذا لم يصح إقرارهما على الصبي لا يملكان الخصومة في تلك الحادثة بعد ذلك ، وإذا وكله بالخصومة في دار يدعي فيها دعوى ، ثم عزله عنها ، ثم شهد له الوكيل بها ، فإن كان الوكيل قد خاصم إلى القاضي جازت شهادته عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ولم تجز عند أبي يوسف - رحمه الله - وهو بناء على ما ذكرنا أن عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بتعيينه للتوكيل صار خصما قائما مقام الموكل ، ولهذا جاز إقراره فيخرج من أن يكون شاهدا بنفس التوكيل ، وعندهما إنما يصير خصما في مجلس القاضي ، فكذلك إنما يخرج من أن يكون شاهدا إذا خاصم في مجلس القاضي لا قبل ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية