الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وضمن ) ( مار ) على صيد مجروح لم ينفذ مقتله ( أمكنته ذكاته ) بوجود آلة ، وعلمه بها ، وهو ممن تصح ذكاته ، ولو كتابيا ( وترك ) تذكيته حتى مات قيمته مجروحا لتفويته على ربه ، ولو كان المار غير بالغ [ ص: 111 ] لأن الضمان من خطاب الوضع ، وأما غير الصيد فإن خيف موته ، وله بذلك بينة وجب عليه ذكاته كالصيد ، وإلا ضمنه ، وإن لم تكن له بينة على خوف موته ضمنه إن ذكاه ولا يصدق في دعواه أنه خاف عليه الهلاك ما لم تقم قرينة على صدقه إلا الراعي فإنه يصدق مطلقا كما يأتي في قوله وصدق إن ادعى خوف موت فنحر ، وشبه في الضمان قوله : ( كترك تخليص مستهلك من نفس أو مال ) قدر على تخليصه ( بيده ) أي قدرته أو جاهه أو ماله فيضمن النفس في الدية ، وفي المال القيمة ( أو ) ترك التخليص ب ( شهادته ) أي بتركها حيث طلبت منه أو علم أن تركها يؤدي للهلاك ، وكذا إن ترك تجريح شاهد الزور ( أو ) ترك التخليص ( بإمساك وثيقة ) بمال أو بعفو عن دم ، وهذا إذا كان شاهدها لا يشهد لا بها أو نسي الشاهد ما يشهد به ، ولا يذكر الواقعة إلا بها ( أو تقطيعها ) أي الوثيقة فضاع الحق فيضمنه ، وهذا إذا لم يكن لها سجل ، وإلا لم يضمن إلا ما يغرمه على إخراجها .

التالي السابق


( قوله : وضمن مار ) أي تعلق ضمان الصيد بالمار إذا أمكنه ذكاته وتركها ، وهذا هو المشهور من المذهب بناء على أن الترك فعل أي أن الترك كفعل التفويت ، وقيل لا ضمان عليه بناء على أن الترك ليس فعلا ، ولا تكليف إلا بفعل ، وعلى نفي الضمان فيأكله ربه ، وعلى المشهور من الضمان فلا يأكله ربه ، ولا ينتفي الضمان عن التارك ، ولو أكله ربه غفلة عن كونه ميتة أو عمدا أو ضيافة ; لأنه غير متمول ، وهذا بخلاف ما لو أكل إنسان ماله المغصوب منه ضيافة فإنه لا يضمنه الغاصب كما استظهره عج واستظهر بعض مشايخ الشيخ أحمد الزرقاني عدم ضمان المار إذا أكله ربه واعتمد الأول اللقاني ( قوله : أمكنته ذكاته ) أنث الفعل وجعل الفاعل الذكاة وضمير المار مفعولا ، ولم يجرد الفعل من التاء ، ويجعل الذكاة مفعولا وضمير المار فاعلا لما تقرر من أنه إذا دار الأمر بين الإسناد للمعنى والذات فالإسناد للمعنى أولى من الإسناد للذات فيقال أمكنني السفر دون أمكنت السفر ( قوله : بوجود آلة ) أي بوجود ما يذكي به فإذا كان ليس معه ما يذكي به إلا الظفر أو السن وترك التذكية بهما ضمن .

( قوله : وهو ممن تصح إلخ ) أي ، وإلا فلا ضمان عليه إذا ترك ، نعم إذا ذكاه يضمن ; لأنه يفوته بذكاته ( قوله : ولو كتابيا ) أي فالكتابي كالمسلم في وجوب ذكاة ما ذكر ; لأنها ذكاة لا عقر ، ولا يأتي الخلاف المتقدم في قوله ، وفي ذبح كتابي لمسلم قولان ; لأن هذا من باب حفظ مال الغير ، وهو واجب عليه يضمن بتركه ( قوله : لتفويته على ربه ) ، وذلك ; لأن المار لما أمكنته ذكاته نزل [ ص: 111 ] منزلة ربه ، وهو لو أمكنته ذكاته فتركه حتى مات لم يؤكل بل يكون ميتة ( قوله : لأن الضمان من خطاب الوضع ) أي ; لأن الشارع جعل الترك سببا في الضمان فيتناول البالغ وغيره ( قوله : وإلا ضمنه ) أي ، وإلا يذكه ضمنه ( قوله : على خوف موته ) أي فالواجب تركه من غير ذكاة وضمنه إن ذكاه ، ولا فرق بين المار والوديع ( قوله : فإنه يصدق ) أي في دعواه أنه خاف عليه الهلاك فذبح لذلك ، وقوله مطلقا أي قامت قرينة على صدقه أم لا ( قوله : كترك تخليص مستهلك ) أي متوقع للهلاك ، ولو كان التارك للتخليص صبيا ; لأن الضمان من باب خطاب الوضع كما علمت .

واعلم أنه يجب تخليص المستهلك من نفس أو مال لمن قدر عليه ، ولو بدفع مال من عنده ، ويرجع به على ربه حيث توقف الخلاص على دفع المال ، ولو لم يأذن له ربه في دفع المال لخلاصه ، وهو من أفراد قول المصنف الآتي والأحسن في المفدى من لص أخذه بالفداء . ا هـ . شيخنا عدوي ، وقد علم منه أن من دفع غرامة عن إنسان بغير إذنه كان للدافع الرجوع بما دفعه على المدفوع عنه إن حمى بتلك الغرامة ماله ، وإلا فلا رجوع له عليه بما دفعه عنه ( قوله : فيضمن في النفس إلخ ) أي أنه إذا ترك تخليص المال مع قدرته على خلاصه بجاهه أو ماله حتى ضاع ذلك المال على ربه فإنه يضمن له قيمة ذلك المال إن كان مقوما ، ومثله إن كان مثليا ، وأما إذا ترك تخليص النفس حتى قتلت فإنه يضمن الدية في ماله إن ترك التخليص عمدا ، وعلى عاقلته إن تركه متأولا ، ولا يقتل به ، ولو ترك التخليص عمدا هذا مذهب المدونة وحكى عياض عن مالك أنه يقتل به قال الأبي في شرح مسلم مازال الشيوخ ينكرون حكايته عن مالك ، ويقولون إنه خلاف المدونة نقله ح ، وفي التوضيح عن اللخمي أنه خرج ذلك عن الخلاف فيمن تعمد الزور في شهادته حتى قتل بها المشهود عليه قال فقد قيل يقتل الشاهد ، ومذهب المدونة لا قتل عليه . ا هـ . وبذلك تعلم أن قول خش ، ولو كان متعمدا لإهلاكه بترك تخليصه قتل غير صواب . ا هـ .

بن ( قوله : أو علم ) أي ، ولم تطلب منه ، ولكن علم إلخ ، وقوله يؤدي للهلاك أي هلاك الحق أو النفس ( قوله : أو تقطيعها ) قال طفى تقطيع الوثيقة ، وقتل شاهدي الحق ليسا من المسائل التي يجري فيها هل الترك يوجب الضمان أو لا ، وهو ظاهر فالأولى تأخيرهما كما فعل ابن شاس وابن الحاجب ، ولا يخلل بهما المسائل الجارية على القانون المذكور .




الخدمات العلمية