الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( قلت ) كما قال الرافعي في الشرح ما علم منه أن محل تأخير الدين عن مؤن التجهيز إذا لم يتعلق بعين التركة حق ( فإن تعلق بعين التركة حق ) بغير حجر في الحياة قدم ( كالزكاة ) الواجبة فيما قبل موته ولو من غير الجنس فيقدم على مؤن التجهيز بل على كل حق تعلق بها فكانت كالمرهونة بها ، ولو تلف النصاب بعد التمكن إلا قدر الزكاة كشاة من أربعين مات عنها فقط لم يقدم إلا بربع عشرها كما استظهره الأذرعي ووجهه أن حق الفقراء في التالف ديون مرسلة فتؤخر لما تقرر من فرض الكلام في زكاة متعلقة بعين موجودة . واستشكال استثناء الزكاة بأن النصاب إن كان باقيا ، وقلنا بالأصح إن تعلقها تعلق شركة فلا تكون تركة له فلا يكون مما نحن فيه ، وإن قلنا : إنه تعلق جناية أو رهن فقد ذكرا ، وإن علقناها بالذمة فقط وكان النصاب تالفا ، فإن قدمنا دين الآدمي أو سوينا فلا استثناء ، وإن قدمناها وهو الأصح فتقدم على دين الآدمي لا على مؤنة التجهيز .

                                                                                                                            أجاب الزركشي وغيره عنه بما حاصله أنا نختار الأول وهو ما صرح به البغوي وغيره ولا نسلم أنه ليس تركة بل هو تركة ، وإن قلنا : تعلق شركة لكنها ليست شركة حقيقة بدليل جواز إخراج الزكاة من غيرها . فالحاصل أنا نمنع خروجه عما نحن فيه لصحة إطلاق التركة عليه بالاعتبار المذكور ، وعلى التنزل فيصح إطلاقه على المجموع الذي منه الحق الجائز تأديته من محل آخر كما في قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } ومثل ذلك كاف في صحة الاستثناء ( والجاني ) بإذن السيد أو بغير إذنه إذا تعلق أرش الجناية برقبته ولو بالعفو عن القصاص فالمجني عليه مقدم على غيره بأقل الأمرين من الأرش وقيمة الجاني ، فإن كان المتعلق برقبته قصاصا أو المال متعلقا بذمته كما لو اقترض مالا من غير إذن السيد وأتلفه لم يقدم المجني عليه والمقرض على غيرهما وللوارث التصرف في رقبته بالمبيع ( والمرهون ) رهنا جعليا ، وإن [ ص: 9 ] حجر على الراهن بعده ( والمبيع ) بثمن في الذمة ( إذ مات المشتري مفلسا ) بثمنه ولم يكن هناك مانع من الفسخ فيمكن البائع منه ويفوز به ، وإن لم يحجر عليه بالفلس قبل موته ، ولكون الفسخ يرفع العقد من حينه لم يخرج به عن كونه تركة ، فإن وجد مانع كتعلق حق لازم به وكتأخير فسخه بلا عذر قدم التجهيز ; لانتفاء التعلق بالعين حينئذ ، وإنما ( قدم ) ذلك الحق في تلك الصور ( على مؤنة تجهيزه ) إيثارا للأهم كما تقدم تلك الحقوق على حقه في الحياة ( والله أعلم ) تقديما لصاحب التعلق على حقه كما في حال الحياة .

                                                                                                                            زاد صاحب الإرشاد : لا يحجر ليخرج به ما أورد على من تركه كأصله وهو ما لو حجر الحاكم على المفلس فإن حق الغرماء تعلق بعين ماله قبل موته ، ولا تقديم بذلك التعلق كما في الروضة ; لأنه لم يخرج عن كونه مرسلا في الذمة ، وفي معنى موته مفلسا ما لو ثبت للبائع حق الفسخ ; لغيبة مال المشتري وعدم صبر البائع ثم مات المشتري حينئذ فلم يجد البائع سوى المبيع فإنه يقدم به على مؤن التجهيز . واستشكال السبكي ما تقرر بأن الثابت للبائع حق الفسخ فورا ، فإن فسخ كذلك خرجت العين المبيعة عن التركة فلا استثناء ، وإن أخر بلا عذر سقط حقه منها ; لتقدم مؤن التجهيز منها عليه ، أو لعذر فهي ملك الورثة ، وحقه متعلق بها فيحتمل تقديم حقه كالمرتهن والمجني عليه ، ويحتمل أن لا لتقدم حقهما ، وهذا لم يثبت فيه حق إلا بالموت مفلسا فهو كتعلق الغرماء بمال المفلس ، والمفلس مقدم بمؤنة يومه فيكون هذا مثله .

                                                                                                                            أجيب عنه بما حاصله أنه على اختيار الأول لا يلزم ما ذكره من عدم صحة الاستثناء ; لأن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله وخروجها عن التركة بعد الفسخ لا يضر في صحة الاستثناء ، كما أن بيع الجاني في الجناية ، وإن خرج مبيعه عن التركة لا يضر في ذلك ، وعلى اختيار الثالث فالأوجه الاحتمال الأول وهو تقديم حقه ، والقياس المذكور في الاحتمال الثاني ليس بظاهر ; لأنه قد وقع بين المتبايعين في مسألتنا تعلق بالعين المبيعة ومعاقدة عليها على الخصوص [ ص: 10 ] وليس كذلك الغرماء بالنسبة إلى مال المفلس . ولو اجتمعت الزكاة والجناية في رقيق تجارة اتجه تقديم الزكاة لانحصار تعلق كل في العين مع زيادة الزكاة بتعلق حقين بها فكانت أولى ، والمستثنيات لا تنحصر فيما ذكر بل قال بعضهم : إن صورها لا تكاد تنحصر .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ما علم منه ) أي قولا ( قوله : بغير حجر في الحياة ) أفهم أنه لو كان سبب تعلقه بالتركة الحجر عليه في الحياة تقديم مؤنة التجهيز على الدين المتعلق بها وسنذكر عبارة صاحب الإرشاد ( قوله : ولو من غير الجنس ) أي كالشاة الواجبة في الإبل ، وكالواجب في مال التجارة إن كانت من غير جنس المال ( قوله : فتؤخر ) أي عن مؤن التجهيز ( قوله : أنا نختار الأول ) هو قوله : أن تعلقها تعلق شركة ( قوله : بالاعتبار المذكور ) أي وهو كونها ليست شركة حقيقية ( قوله : كما في قوله تعالى { الحج أشهر معلومات } ) أي من حيث إطلاق الأشهر مع كون زمن الحج شهرين وعشر ليال ( قواه فإن كان المتعلق إلخ ) محترز قوله إذا تعلق أرش الجناية إلخ ( قوله : وللوارث التصرف ) أي ويبقى القرض في ذمة الرقيق إلى أن يعتق ، ومستحق القصاص يمكن من الاقتصاص من العبد متى شاء قبل البيع أو بعده ، وإذا اقتص منه رجع المشتري على البائع بما دفعه إن كان جاهلا بتعلق القصاص برقبته واستمر جهله إلى أن قتل ، فإن كان عالما أو جاهلا ولم يفسخ عند العلم فلا رجوع ويلزمه تجهيزه . ا هـ سم على حج بالمعنى .

                                                                                                                            ( قوله : والمرهون إلخ ) قال حج : وألحق بعضهم بالمرهون حجة الإسلام إذا مات وقد استقرت [ ص: 9 ] في ذمته لتعلقها بعين التركة حينئذ قال : فلا يصح تصرف الورثة في شيء منها حتى يفرغ الحاج عنه من جميع أعمال الحج إلا لضرورة كأن خيف تلف شيء منها إن لم يبادر إلى بيعه . ا هـ . ثم نازع فيه وقال : وبتسليمه يظهر جواز التصرف بمجرد فراغه من التحلل الثاني ، وإن بقيت واجبات أخرى ، وينبغي أنه إذا باعه للضرورة لا يتصرف في شيء من ثمنه إلا بعد فراغ الحج عنه ( قوله : لصاحب التعلق ) هذا علم من قوله إيثارا للأهم ( قوله : زاد صاحب الإرشاد إلخ ) أي بعد قوله فإن تعلق بعين التركة حق كما أشار إليه فيما مر بقوله لغير حجر في الحياة ، وإنما ذكره هنا ليبين ما يترتب عليه ( قوله : كأصله ) مراده بأصله الحاوي ( قوله : ثم مات المشتري حينئذ ) أي قبل الفسخ ( قوله : فإن فسخ كذلك ) أي فورا ( قوله : على اختيار الأول ) هو قوله : للبائع حق الفسخ فورا ( قوله : لا يضر في صحة الاستثناء ) قد يمنع بأن الفسخ حيث وجد في حياة المشتري خرج المبيع عن التركة قبل الموت ، فأي معنى يقتضي تصحيح استثنائه من التركة ( قوله : وعلى اختيار الثالث ) هو قوله : أو لعذر فهي ملك الورثة ، وقوله : فالأوجه الاحتمال [ ص: 10 ] الأول هو قوله : فيحتمل تقديم حقه إلخ ، وقوله : لا يضر في الاحتمال الثاني هو قوله : ويحتمل أن لا .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 8 ] قوله : بغير حجر في الحياة ) أما إذا كان بحجر في الحياة فسيأتي بما فيه [ ص: 9 ] قوله تقديما لصاحب التعلق إلخ ) لا حاجة إليه مع قوله إيثارا للأهم ( قوله : زاد صاحب الإرشاد إلخ ) لا حاجة إليه ; لأنه قدمه في قوله بغير حجر في الحياة عقب قول المصنف فإن تعلق بعين التركة حق ، على أن إيراده هنا موهم وكان الأولى له الاقتصار على أخذ مفهومه كما صنع حج ، فإنه لما قيد المتن فيما مر بمثل ما تقدم في الشارح قال هنا : وخرج بقولي بغير حجر تعلق الغرماء بماله بالحجر إلخ ( قوله : ; لأنه لم يخرج عن كونه مرسلا في الذمة ) قال الشهاب سم : يتأمل مع أنه في صورة الرهن والمبيع كذلك ( قوله واستشكال السبكي ما تقرر ) يعني في المتن من قوله والمبيع إذا مات المشتري مفلسا ( قوله : أجيب عنه بما حاصله إلخ ) الجواب مبني على أن الفسخ [ ص: 10 ] في الشق الأول وقع بعد الموت وهو خلاف ظاهر تقسيم السبكي ( قوله : بتعلق حقين بها ) أي حق الله وحق الآدمي




                                                                                                                            الخدمات العلمية