الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 7610 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : وَإِذَا فُتِحَ حِصْنٌ ، لَمْ يُقْتَلْ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ ، أَوْ يُنْبِتْ ، أَوْ يَبْلُغْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا ظَفِرَ بِالْكُفَّارِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ ، فَفِي قَتْلِهِ إتْلَافُ الْمَالِ ، وَإِذَا سُبِيَ مُنْفَرِدًا صَارَ مُسْلِمًا ، فَإِتْلَافُهُ إتْلَافُ مَنْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْلِمًا ، وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ ; أَحَدُهَا ، الِاحْتِلَامُ ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ أَوْ قُبُلِ الْأُنْثَى فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ . وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ } . وَقَالَ لِمُعَاذٍ : { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد . الثَّانِي ، إنْبَاتُ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ ، وَهُوَ عَلَامَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى { عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ ، قَالَ : كُنْت مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ ، فَكُنْت فِي مَنْ لَمْ يُنْبِتْ } . أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ : { حَدَّثَنِي أَبْنَاءُ قُرَيْظَةَ ، أَنَّهُمْ عُرِضُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْتَلِمًا أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ ، وَمَنْ لَا ، تُرِكَ . } أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ . وَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْتُبُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، أَنْ لَا يَقْتُلُوا إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي ، وَلَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي . وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ هَذَا بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الِاحْتِلَامِ ، وَعَدَدِ السِّنِينَ ، وَلَيْسَ بِعَلَامَةٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ; لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِمْ . وَلَنَا ، قَوْلُ أَبِي نَضْرَةَ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، حِينَ اُخْتُلِفَ فِي بُلُوغِ تَمِيمِ بْنِ فَرْعٍ الْمَهْرِيِّ : اُنْظُرُوا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ ، فَاقْسِمُوا لَهُ . فَنَظَرَ إلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَنْبَتَ ، فَقَسَمُوا لَهُ . وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُ هَذَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا . وَلِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَالْعَلَمَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُلَازِمُ الْبُلُوغَ غَالِبًا ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ ، كَالِاحْتِلَامِ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ مَعْرِفَةُ الِاحْتِلَامِ وَالسِّنِّ . قُلْنَا : لَا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ فِي الذِّمِّيِّ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ تَعَذُّرُ الْمَعْرِفَةِ لَا يُوجِبُ جَعْلَ مَا لَيْسَ بِعَلَامَةٍ ، كَغَيْرِ الْإِنْبَاتِ . الثَّالِثُ ، بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ; لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْقِتَالِ ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَأَجَازَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ . } قَالَ نَافِعٌ : فَحَدَّثْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هَذَا فَصْلُ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَبَيْنَ الْغِلْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَتَزِيدُ الْأُنْثَى بِعَلَامَتَيْنِ ; الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ ، فَمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عَلَامَةٌ مِنْهُنَّ ، فَهُوَ صَبِيٌّ يَحْرُمُ قَتْلُهُ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية