الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 239 ] فصل : وتجوز مهادنتهم على غير مال ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال . ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم ; فإنها إذا جازت على غير مال ، فعلى مال أولى . وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم ، فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه ، وهو مذهب الشافعي ; لأن فيه صغارا للمسلمين .

                                                                                                                                            وهذا محمول على غير حال الضرورة ، فأما إن دعت إليه ضرورة ، وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر ، فيجوز ; لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال ، فكذا ها هنا ، ولأن بذل المال إن كان فيه صغار ، فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه ، وهو القتل ، والأسر ، وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم .

                                                                                                                                            وقد روى عبد الرزاق ، في المغازي ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : { أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن ، وهو مع أبي سفيان - يعني يوم الأحزاب - : أرأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار ، أترجع بمن معك من غطفان ، وتخذل بين الأحزاب ؟ فأرسل إليه عيينة : إن جعلت لي الشطر فعلت } . قال معمر : فحدثني ابن أبي نجيح ، { أن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا : يا رسول الله ، والله لقد كان يجر سرمه في الجاهلية في عام السنة حول المدينة ، ما يطيق أن يدخلها ، فالآن حين جاء الله بالإسلام ، نعطيهم ذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فنعم إذا } .

                                                                                                                                            ولولا أن ذلك جائز ، لما بذله النبي صلى الله عليه وسلم . وروي { أن الحارث بن عمرو الغطفاني ، بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن جعلت لي شطر ثمار المدينة ، وإلا ملأتها عليك خيلا ورجلا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : حتى أشاور السعود يعني . سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن زرارة ، فشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إن كان هذا أمرا من السماء ، فتسليم لأمر الله تعالى ، وإن كان برأيك وهواك ، اتبعنا رأيك وهواك ، وإن لم يكن أمرا من السماء ولا برأيك وهواك ، فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية بسرة ولا تمرة إلا شراء أو قرى ، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرسوله : أتسمع ؟ } فعرضه النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم ضعفهم من قوتهم ، فلولا جوازه عند الضعف ، لما عرضه عليهم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية