الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 7652 ) فصل : ويجوز أن يشرط عليهم في عقد الذمة ، ضيافة من يمر بهم من المسلمين ، لما روى الإمام أحمد بإسناده عن الأحنف بن قيس أن عمر شرط عليهم ضيافة يوم وليلة ، وأن يصلحوا القناطر ، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته ، قال ابن المنذر وروي عن عمر أنه قضى على أهل الذمة ، ضيافة من يمر بهم من المسلمين ثلاثة أيام ، وعلف دوابهم ، وما يصلحهم .

                                                                                                                                            وروي { أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار ، وكانوا ثلاثمائة نفس ، في كل سنة ، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام ، } ولأن في هذا ضربا من المصلحة ، لأنهم ربما امتنعوا من مبايعة المسلمين إضرارا بهم ، فإذا شرطت عليهم الضيافة أمن ذلك ، وإن لم تشترط الضيافة عليهم ، لم تجب ، ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي .

                                                                                                                                            ومن أصحابنا من قال : تجب بغير شرط ، كوجوبها على المسلمين ، والأول أصح ، لأنه أداء مال ، فلم يجب بغير رضاهم ، كالجزية ، فإن شرطها عليهم ، فامتنعوا من قبولها ، لم تعقد لهم الذمة ، وقال الشافعي : لا يجوز قتالهم عليها . ولنا أنه شرط سائغ ، امتنعوا من قبوله ، فقوتلوا عليه كالجزية .

                                                                                                                                            ( 7653 ) فصل : ذكر القاضي ، أنه إذا شرط الضيافة ، فإنه يبين أيام الضيافة ، وعدد من يضاف من الرجالة والفرسان ، فيقول : تضيفون في كل سنة مائة يوم عشرة من المسلمين ، من خبز كذا وأدم كذا ، وللفرس من التبن كذا ، ومن الشعير كذا فإن شرط الضيافة مطلقا ، صح في الظاهر ، لأن عمر رضي الله عنه شرط عليهم ضيافة من يمر بهم من المسلمين ، من غير عدد ولا تقدير .

                                                                                                                                            قال أبو بكر : إذا أطلق مدة الضيافة فالواجب يوم وليلة ، لأن ذلك الواجب على المسلمين ، ولا يكلفون الذبيحة ، ولا ضيافتهم بأرفع من طعامهم ، لأنه يروى عن عمر أنه شكا إليه [ ص: 270 ] أهل الذمة أن المسلمين يكلفونهم الذبيحة ، فقال : أطعموهم مما تأكلون . وقال الأوزاعي ولا يكلفون الذبيحة ولا الشعير .

                                                                                                                                            وقال القاضي : إذا وقع الشرط مطلقا لم يلزمهم الشعير ، ويحتمل أن يلزمهم ذلك للخيل ، لأن العادة جارية به ، فهو كالخبز للرجل .

                                                                                                                                            وللمسلمين النزول في الكنائس والبيع ، فإن عمر رضي الله عنه صالح أهل الشام على أن يوسعوا أبواب بيعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين ، ليدخلوها ركبانا ، فإن لم يجدوا مكانا ، فلهم النزول في الأفنية وفضول المنازل ، وليس لهم تحويل صاحب المنزل منه . والسابق إلى منزل أحق به ممن يأتي بعده فإن امتنع بعضهم من القيام بما شرط ، أجبر عليه ، فإن امتنع الجميع ، أجبروا ، فإن لم يمكن إلا بالمقاتلة ، قوتلوا ، فإن قاتلوا فقد نقضوا العهد .

                                                                                                                                            ( 7654 ) فصل : وتقسم الضيافة بينهم على قدر جزيتهم فإن جعل الضيافة مكان الجزية ، جاز ، لما روي أن عمر رضي الله عنه كتب في الجاهلية لراهب من أهل الشام : إنني إن وليت هذه الأرض ، أسقطت عنك خراجك . فلما قدم الجابية وهو أمير المؤمنين جاءه بكتابه ، فعرفه ، وقال : إنني جعلت لك ما ليس لي ، ولكن اختر ، إن شئت أداء الخراج ، وإن شئت أن تضيف المسلمين ، فاختار الضيافة ويشترط عليه ضيافة يبلغ قدرها أقل الجزية ، إذا قلنا : الجزية مقدرة الأقل . لئلا ينقص خراجه عن أقل الجزية .

                                                                                                                                            وذكر أن من الشروط الفاسدة اشتراط الاكتفاء بضيافتهم عن جزيتهم ; لأن الله تعالى أمر بقتالهم ممدودا إلى إعطاء الجزية ، فإن لم يعطها ، كان قتالهم مباحا ، ووجه الأول اشتراط مال ، يبلغ قدر الجزية ، فجاز ، كما لو شرط عليهم عدل الجزية مغافر .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية