الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند أحمد 22395 9755 - (22902) - (5 \ 342) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، قَالَ عَفَّانُ: وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَقَالَ عَفَّانُ: مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلَيْكَ أَوْ لَكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا أَوْ مُعْتِقُهَا". حاشية مسند أحمد * قَوْلُهُ: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ": الطُّهُورُ - بِالضَّمِّ -: الطَّهَارَةُ، وَالشَّطْرُ: النِّصْفُ، قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ: إِنَّ الْإِيمَانَ يُطَهِّرُ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ، وَالْوُضُوءُ يُطَهِّرُ نَجَاسَةَ الظَّاهِرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوُضُوءُ مِثْلَ الْإِيمَانِ وَعَدِيلَهُ، لَا نِصْفَهُ، وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ، غَالِبُهَا لَا يَخْلُو عَنْ إِشْكَالٍ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهُورِ: تَخْلِيَةُ الْبَاطِنِ عَنْ عَقَائِدِ الْكُفْرِ، وَالْإِيمَانُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَجْمُوعِ هَذِهِ التَّخْلِيَةِ، مَعَ تَحْلِيَةِ الْبَاطِنِ بِعَقَائِدِ الْإِسْلَامِ، فَصَارَ الطُّهُورُ بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ شَطْرًا، وَالتَّخْلِيَةُ شَطْرًا مِنَ الْإِيمَانِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ: الصَّلَاةُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [الْبَقَرَةِ: 143] وَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ، أَيْ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ إِسْبَاغِ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ "، وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ إِكْمَالَ الصَّلَاةِ بِإِكْمَالِ شَرَائِطِهَا الْخَارِجَةِ عَنْهَا، وَأَرْكَانِهَا الدَّاخِلَةِ فِيهَا، وَأَعْظَمُ الشَّرَائِطِ الْوُضُوءُ، فَجُعِلَ إِكْمَالُهُ نِصْفَ إِكْمَالِ الصَّلَاةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: التَّرْغِيبُ فِي الْوُضُوءِ، وَتَعْظِيمُ ثَوَابِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ بَلَغَ إِلَى نِصْفِ ثَوَابِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ: هُوَ مِثْلُ نِصْفِ الْإِيمَانِ، لَا أَنَّهُ نِصْفُ الْإِيمَانِ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ. * "تَمْلَأُ الْمِيزَانَ": ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتَجَسَّدُ عِنْدَ الْوَزْنِ، وَلَعَلَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تَصِيرُ أَجْسَامًا لَطِيفَةً نُورَانِيَّةً لَا تُزَاحِمُ بَعْضَهَا وَلَا غَيْرَهَا؛ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْأَنْوَارِ؛ إِذْ يُمْكِنُ أَنَّهُ يُسْرَجُ أَلْفُ سِرَاجٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، مَعَ أَنَّهُ يَمْتَلِئُ نُورًا مِنْ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ السُّرُجِ، لَكِنْ لِكَوْنِهِ لَا يُزَاحِمُ، يَجْتَمِعُ مَعَهُ نُورُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ امْتِلَاءُ الْبَيْتِ مِنَ النُّورِ جُلُوسَ الْقَاعِدِينَ فِيهِ؛ لِعَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ التَّسْبِيحَاتِ وَالتَّقْدِيسَاتِ، مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ وَاحِدٍ أَلَّا يَبْقَى مَكَانٌ لِشَخْصٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحْشَرِ، وَلَا لِعَمَلٍ آخَرَ مُتَجَسَّدٍ مِثْلِ تَجَسُّدِ التَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ. * "تَمْلَآنِ": بِالتَّثْنِيَةِ -، وَظَاهِرُهَا أَنَّ الْوَاوَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَالْأُخْرَيَيْنِ بِمَعْنَى "أَوْ" لِلشَّكِّ. * "نُورٌ": لَعَلَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي تَنْوِيرِ الْقُلُوبِ وَانْشِرَاحِ الصُّدُورِ. * "بُرْهَانٌ": دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ صَاحِبِهَا فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ؛ إِذِ الْإِقْدَامُ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ صَادِقٍ فِي إِيمَانِهِ. * "ضِيَاءٌ": أَيْ: نُورٌ قَوِيٌّ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا [يُونُسَ: 5] وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالصَّبْرِ: الصَّوْمُ، وَهُوَ لِكَوْنِهِ قَهْرًا عَلَى النَّفْسِ، قَامِعًا لِشَهَوَاتِهَا، لَهُ تَأْثِيرٌ عَادَةً فِي تَنْوِيرِ الْقَلْبِ بِأَتَمِّ وَجْهٍ. * "عَلَيْكَ": إِنْ قَرَأْتَهُ بِلَا عَمَلٍ بِهِ. * "أَوْ لَكَ": إِنْ عَمِلْتَ بِهِ. * "يَغْدُو": يُصْبِحُ. * "فَبَائِعٌ نَفْسَهُ": مِنَ الرَّحْمَنِ، أَوِ الشَّيْطَانِ. * "فَمُوبِقُهَا": مُهْلِكُهَا عَلَى الثَّانِي. * "وَمُعْتِقُهَا": مِنَ النَّارِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية