الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7 8 ص: حدثناه ابن أبي داود ، قال: ثنا المقدمي ، قال: ثنا ابن أبي عدي ، عن حميد .

                                                وحدثناه ابن خزيمة ، قال: حدثنا الحجاج بن منهال ، قال: ثنا حماد ، عن حميد ، عن بكر ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " لقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب، فمد يده إلي فقبضت يدي عنه وقلت: إني جنب. فقال: سبحان الله! إن المسلم لا ينجس".

                                                [ ص: 73 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 73 ] ش: أي حدثنا الحديث المذكور وهو قوله - رضي الله عنه -: "المؤمن لا ينجس" إبراهيم بن أبي داود البرلسي .

                                                قوله: "حدثنا" بفتح الدال من حدث و"نا" مفعوله " وابن أبي داود " فاعله. و" المقدمي " -بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة وكسر الميم الثانية -نسبة إلى المقدم- على صيغة المفعول -وهو جد أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والذي اشتهر بهذه النسبة منهم جماعة، منهم: محمد بن أبي بكر هذا، روى عنه البخاري ومسلم ، وابن أبي داود البرلسي أيضا، ومنهم: ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن عطاء البصري روى عنه الأربعة- والبرلسي أيضا وثقه ابن حبان - قيل: هو المراد ها هنا من المقدمي .

                                                وابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي مولاهم أبو عمرو البصري ويقال: محمد بن أبي عدي ، واسم أبي عدي إبراهيم ، روى له الجماعة.

                                                وحميد -بضم الحاء- ابن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة الخزاعي البصري روى له الجماعة.

                                                وابن خزيمة هو محمد بن خزيمة بن راشد البصري ثقة مشهور.

                                                والحجاج بن منهال روى له الجماعة.

                                                وحماد بن سلمة بن دينار البصري روى له الجماعة، البخاري مستشهدا.

                                                وبكر هو ابن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري روى له الجماعة.

                                                وأبو رافع اسمه نفيع -بضم النون- الصائغ المدني نزيل البصرة روى له الجماعة.

                                                وهذا الحديث أخرجه الجماعة، فقال البخاري : ثنا محمد بن المثنى ، عن [ ص: 74 ] يحيى بن سعيد ، عن حميد ، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. قال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" .

                                                وقال مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا ابن علية ، عن حميد الطويل ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : "أنه لقيه النبي - عليه السلام - في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل فذهب فاغتسل، فتفقده النبي - عليه السلام - فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" .

                                                وقال أبو داود : ثنا مسدد ، قال: نا يحيى وبشر عن حميد ، عن بكر عن أبي رافع ، عن أبي هريرة قال: "لقيني رسول الله - عليه السلام - في طريق من طرق المدينة وأنا جنب، فاختنست منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: أين كنت يا أبا هريرة ؟ قلت: إني كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة. فقال: سبحان الله! إن المسلم لا ينجس" .

                                                وقال الترمذي : نا إسحاق بن منصور ، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد القطان ، قال: نا حميد الطويل ، عن بكر عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : "أن النبي - عليه السلام - لقيه وهو جنب، قال: فانبجست فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت -أو أين ذهبت-؟ قلت: إني كنت جنبا. فقال: إن المسلم لا ينجس" .

                                                [ ص: 75 ] وقال النسائي : أخبرنا [ حميد بن مسعدة ] قال: ثنا بشر -وهو ابن المفضل - قال: ثنا حميد ، عن بكر عن أبي رافع ، عن أبي هريرة : "أن النبي - عليه السلام - لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل عنه فاغتسل ففقده النبي - عليه السلام - فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال: يا رسول الله، إنك لقيتني وأنا جنب فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل. فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" .

                                                وقال ابن ماجه : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ... إلى آخر ما رواه مسلم ؛ لأنهما كليهما أخرجاه عن ابن أبي شيبة ، ولكن عند مسلم منقطع بين حميد وأبي رافع بينهما بكر بن عبد الله المزني ، وعند ابن ماجه موصول، فافهم.

                                                فإن قلت: قد قال الطحاوي أولا: وقد رأينا أنه - عليه السلام - قال: "المؤمن لا ينجس" .

                                                ثم روى الحديث وفيه: "إن المسلم لا ينجس" .

                                                قلت: كلا اللفظين مروي كما ذكرناه وقال الترمذي : وفي الباب عن حذيفة وابن عباس رضي الله عنهم.

                                                قلت: حديث حذيفة رواه أبو داود عن مسدد ، عن يحيى ، عن مسعر ، عن واصل عن أبي وائل ، عن حذيفة : "أن النبي - عليه السلام - لقيه فأهوى إليه فقال: إني جنب. فقال: إن المسلم ليس بنجس" .

                                                [ ص: 76 ] ورواه مسلم أيضا ولفظه: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقيه وهو جنب فحاد عنه فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جنبا. قال: إن المسلم لا ينجس" .

                                                وفي رواية الكسار عن النسائي : أخبرنا إسحاق بن منصور ، قال: أخبرنا يحيى ، قال: ثنا سفيان ، قال: حدثني واصل عن أبي وائل ، عن عبد الله : "أن النبي - عليه السلام - لقيه وهو جنب، فأهوى إلي فقلت: إني جنب. فقال: المسلم لا ينجس" وفي رواية غيره: "عن حذيفة " بدل " عبد الله ".

                                                وكذا عند ابن ماجه : "عن حذيفة ".

                                                وحديث عبد الله بن عباس أخرجه الحاكم في "مستدركه": على ما نذكره الآن إن شاء الله تعالى.

                                                قوله: "جنب" على وزن فعل بضمتين صفة مشبهة، وهو الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وقد يجمع على أجناب وجنبين، وأجنب يجنب إجنابا، والجنابة الاسم، وهي في الأصل: البعد، ويسمى الإنسان جنبا; لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، وقيل: لمجانبته الناس حتى يتطهر، قال الجوهري : تقول: أجنب الرجل وجنب أيضا بالضم.

                                                قوله: "فقبضت يدي عنه" يعني جمعتها عنه; لأن القبض في الأصل خلاف البسط.

                                                قوله: "سبحان الله" في موضع التعجب، وسبحان علم للتسبيح، كعثمان علم للرجل، ومعناه أسبح الله تسبيحا أي أنزهه عن النقائص.

                                                [ ص: 77 ] قوله: "فانخنست" أي تأخرت، ومنه خنس الشيطان وهو بالخاء المعجمة والنون، وكذا معنى "فاختنست" فالأول من باب الانفعال والثاني من باب الافتعال، وفي رواية للبخاري -رحمه الله-: "فانسللت" من السل وهو الجذب.

                                                قوله: "فانبجست" يعني اندفعت ومنه قوله تعالى: فانبجست منه اثنتا عشرة عينا أي جرت واندفعت.

                                                وروي "فانتجست" أي اعتقدت نفسي نجسا، وروي "فانتجشت" -بالشين المعجمة- من النجش وهو الإسراع، وروي "فانبخست" -بالنون والباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة- واستبعده بعضهم، وقال بعضهم: البخس النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاة رسول الله - عليه السلام - لما اعتقد في نفسه من النجاسة.

                                                قوله: "أهوى إليه" أي أهوى إليه يده، أي أمالها إليه، يقال: أهوى يده إليه وأهوى بيده إليه، ويترك المفعول كثيرا.

                                                قوله: "فحاد عنه" من حاد عن الشيء أو عدل عنه يحيد حيدا وحيدودة.

                                                ويستفاد منه فوائد:

                                                - كون الجنب طاهرا وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه ، وكون المسلم طاهرا حيا وميتا، وعن الشافعي قولان في الميت أصحهما الطهارة.

                                                - وذكر البخاري في "صحيحه": عن ابن عباس تعليقا "المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا" .

                                                - ووصله الحاكم في "المستدرك" فقال: أخبرني إبراهيم بن عصمة قال: ثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي أنبأ أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ، قالا: ثنا [ ص: 78 ] سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنجسوا موتاكم; فإن المسلم ليس بنجس حيا ولا ميتا" قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.

                                                فإن قلت: على هذا ينبغي ألا يغسل الميت; لأنه طاهر.

                                                قلت: اختلف علماؤنا في وجوب غسله، فقيل: إنما وجب لحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته; فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة، إذ لو تنجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات وكان الواجب اقتصار الغسل على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة، لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم والحدث بسبب الموت لا يتكرر، فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا.

                                                وقال العراقيون : يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث; لأن للآدمي دما سائلا فيتنجس بالموت قياسا على غيره، ألا ترى أنه لو مات في البئر نجسها ولو حمله المصلي لم تجز صلاته، ولو لم يكن نجسا لجازت كما لو حمل محدثا. هذا حكم المسلم. وأما حكم الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة كحكم المسلم عند الجمهور خلافا لقوم.

                                                - ومنها: جواز تأخير الغسل عن الجنابة بمقدار ما لا يفوته الفرض فيه; لأنه - عليه السلام - ما أنكر عليه ذلك حين قال: إني جنب.

                                                - واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات وأحسن الصفات.

                                                - وأن العالم إذا رأى من تابعه في أمر يخاف عليه فيه خلاف الصواب، سأله عنه وبين له الصواب وحكمه.




                                                الخدمات العلمية