الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله { الخامس مضي الحول : شرط ، إلا في الخارج من الأرض } فيشترط مضي الحول في الأثمان والماشية . وعروض التجارة ، وظاهر كلام المصنف : اشتراط مضي الحول كاملا ، وهو أحد الوجوه ، وهو ظاهر كلام الخرقي والقاضي ، لكن ذكره إذا كان النقص في أثناء الحول .

والوجه الثاني : يعفى عن ساعتين ، وهو المذهب ، قال في الفروع : وهو الأشهر ، قلت : عليه أكثر الأصحاب ، وقدمه ابن تميم ، واختاره أبو بكر ، وقدم المجد في شرحه : أنه لا يؤثر أقل من معظم اليوم . وقال في المحرر ، والفائق : ولا يؤثر نقص دون اليوم ، وقيل : يعفى عن نصف يوم ، وقال أبو بكر : يعفى عن يوم ، اختاره القاضي ، وصححه ابن تميم ، قال في الفروع : وجزم به في المحرر وغيره ، وليس كما قال .

وقد تقدم لفظه ، وقيل : يعفى عن يومين ، وقيل : الخمسة والسبعة يحتمل وجهين . [ ص: 30 ] وقال في الروضة : يعفى عن أيام ، قال في الفروع : فإما أن مراده ثلاثة أيام لقلتها ، واعتبارها في مواضع ، أو ما لم يعد كثيرا عرفا ، وقيل : يعتبر طرفا الحول خاصة في العروض خاصة .

قوله { فإذا استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يتم عليه الحول } ، وهذا المذهب ، إلا ما استثنى ، وسواء كان المستفاد من جنس ما يملكه أو لا ، وعليه الأصحاب ، وحكي عنه رواية في الأجرة : أنها تتبع المال الذي من جنسها .

فائدة : يضم المستفاد إلى نصاب بيده من جنسه أو في حكمه ، ويزكى كل مال إذا تم حوله ، وهذا الصحيح من المذهب ، وقيل : ويعتبر النصاب في المستفاد أيضا . قوله { إلا نتاج السائمة وربح التجارة ، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابا ، وإن لم يكن نصابا فحوله من حين كمل النصاب } هذا المذهب ، وعليه الأصحاب . وعنه حوله من حين ملك الأمات نقلها حنبل وقيل : حول النتاج منذ كمل أمهاته نصابا ، وحول أمهاته منذ ملكهن ، ذكره في الرعاية .

ووجه في الفروع تخريجا واحتمالا في ربح التجارة : أن حوله حول أصله . قلت : قال الزركشي ، وقيل عنه : إذا كمل النصاب بالربح ، فحوله من حين ملك الأصل كالماشية في رواية ، فعلى رواية حنبل : لو أبدل بعض نصاب بنصاب من جنسه ، كعشرين شاة بأربعين : احتمل أن ينبني على حول الأولى ، ويحتمل أن يبتدئ الحول . وأطلقهما في الفروع ، وهما وجهان مطلقان في مختصر ابن تميم ، وروايتان مطلقتان في الرعاية الكبرى ، قلت : الصواب الثاني من الاحتمالين . [ ص: 31 ]

قوله { وإن ملك نصابا صغارا : انعقد عليه الحول من حين ملكه } وهو المذهب ، وعليه الأصحاب ، وعنه لا ينعقد ، حتى يبلغ سنا يجزئ مثله في الواجب ، وحكى ابن تميم : أن القاضي قال في شرحه الصغير : تجب الزكاة في الحقاق ، وفي بنات المخاض [ واللبون ، بناء على أصل السخال . ونقل حرب : لا زكاة في بنات المخاض ] حتى يكون فيها كبيرة ، قال في الفروع : كذا قال ، فعلى المذهب : لو تغذت باللبن فقط لم تجب لعدم السوم المعتبر ، اختاره المجد في شرحه ، وقدمه في الرعاية الكبرى ، وقيل : تجب لوجوبها فيه تبعا للأمات . كما تتبعها في الحول .

وأطلقهما في الفروع ، والزركشي ، وابن تميم ، وهما احتمالان ذكرهما ابن عقيل ، وعلى الرواية الثانية : ينقطع ما لم يبق واحدة من الأمات ، نص عليه ، وهو الصحيح عليها . وقيل : ينقطع ، ما لم يبق نصاب من الأمات . قوله { ومتى نقص النصاب في بعض الحول } انقطع الحول هذا المذهب ، وعليه الجمهور ، وتقدم قول : بأنه لو انقطع في أثناء حول عروض التجارة كان كاملا في أوله وآخره : أنه لا يضر .

قوله { أو باعه ، أو أبدله بغير جنسه : انقطع الحول } هذا المذهب بشرطه ، وعليه الأصحاب ، وقال ابن تميم : وإن أبدله لا بمثله مما فيه الزكاة : انقطع على الأصح قال في القواعد : وخرج أبو الخطاب في الانتصار رواية بالبناء في الإبدال من غير الجنس مطلقا .

فائدتان : إحداهما : لا ينقطع الحول بإبدال نصاب ذهب بفضة ، أو بالعكس ، على الصحيح من المذهب ، فيكون ذلك مستثنى من كلام المصنف وغيره ممن أطلق ، وفيه رواية مخرجة من عدم ضم أحدهما إلى الآخر ، وإخراجه عنه ، قال ابن تميم : [ ص: 32 ] إبدال أحد النقدين بالآخر ينبني على الضم ، قال في القواعد : فيه روايتان .

قال الزركشي : طريقة أبي محمد ، وطائفة وصححها أبو العباس : مبنية على الضم . وطريقة القاضي وجماعة منهم المجد أن الحول لا ينقطع مطلقا ، وإن لم نقل بالضم .

تنبيه : حيث قلنا " لا ينقطع الحول " فالصحيح : أنه يخرج مما ملكه عند وجوب الزكاة ، قدمه في الفروع ، وقال القاضي وتبعه في شرح المذهب يخرج مما ملكه أكثر الحول ، قال ابن تميم : ونص أحمد على مثله .

الثانية : لا ينقطع الحول في أموال الصيارفة لئلا يفضي إلى سقوطها فيما ينمو ، أو وجوبها في غيره ، قال في الفروع : والأصول تقتضي العكس ، وهذا أيضا يكون مستثنى من كلام المصنف وغيره . قوله { إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة } ، الصحيح من المذهب : أنه إذا قصد بالبيع أو الهبة أو الإتلاف أو نحوه الفرار من الزكاة لم تسقط ، وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به أكثرهم ، وقال أبو يعلى الصغير في مفرداته ، عن بعض الأصحاب : تسقط الزكاة بالتحيل . وفاقا لأبي حنيفة والشافعي كما في بعد الحول الأول ، قلت : وقواعد المذهب وأصوله تأبى ذلك ، فعلى المذهب : اشترط المصنف أن يكون ذلك عند قرب وجوبها ، وجزم به جماعة من الأصحاب ، منهم أبو الخطاب في الهداية ، وقدم في الرعايتين ، والحاويين ، والفائق وغيرهم : عدم السقوط إذا فعله فارا قبل الحول بيومين أو يوم فأكثر ، وفي كلام القاضي : بيومين أو يوم ، وقيل : بشهرين ، حكاه في الرعاية وغيرها ، وقدم في الفروع : أنه متى قصد بذلك الفرار من الزكاة مطلقا لم تسقط .

وسواء كان في أول الحول أو وسطه أو آخره ، قال : وأطلقه الإمام أحمد ، فلهذا [ ص: 33 ] قال ابن عقيل : هو ظاهر كلامه ، وهو ظاهر ما جزم به في الخلاصة ، وقدمه في المحرر ، وقال الزركشي : وهو ظاهر كلام الخرقي ، وهو الغالب على كلام كثير من المتقدمين ، واختيار طائفة من المتأخرين ، كابن عقيل ، والمجد وغيرهما ، وذكره بعضهم قولا ، وقال في الفائق : نص أحمد على وجوبها فيمن باع قبل الحول بنصف عام ، قال ابن تميم : والصحيح تأثير ذلك بعد مضي أكثر الحول ، وقال المجد في شرحه وغيره : لا أول الحول ، لندرته ، وفي كلام القاضي : في أول الحول نظر ، وقال أيضا : في أوله ووسطه لم يوجد لرب المال الغرض ، وهو الترفه بأكثر الحول والنصاب ، وحصول النماء فيه .

فائدتان : إحداهما : يزكى من جنس المبيع لذلك الحول فقط . إذا قصد الفرار ، على الصحيح من المذهب ، وقيل : إن أبدله بعقار ونحوه وجبت زكاة كل حول ، وسأله ابن هانئ فيمن ملك نصاب غنم ستة أشهر ، ثم باعها ، فمكثت عنده ستة أشهر ؟ قال : إذا فر بها من الزكاة زكى ثمنها إذا حال عليها الحول ، وقيل : يعتبر الأحظ للفقراء .

الثانية : له ادعى أنه لم يقصد بما فعل الفرار من الزكاة ، قبل فيما بينه وبين الله تعالى وفي الحكم وجهان ، وأطلقهما في الفروع ، وابن تميم ، قلت : الأولى أنه إن عرف بقرائن أنه قصد الفرار : لم يقبل قوله وإلا قبل . قوله { وإن أبدله بنصاب من جنسه بنى على حوله } ، وهو المذهب ، وعليه الأصحاب ، ويتخرج أن ينقطع ، وهو لأبي الخطاب ، كالجنسين ، قال ابن تميم : لم ينقطع على الأصح . وقاسه جماعة من الأصحاب منهم القاضي [ ص: 34 ] وأصحابه ، والمصنف ، والمجد ، وغيرهم البناء على الحول الأول في هذه المسألة على عروض التجارة تباع بنقد أو تشترى به ، فإنه يبني ، وحكى الخلاف .

تنبيه : اعلم أن بعض الأصحاب عبر في هذه المسألة بالبيع ، كما قاله المصنف هنا ، وعبر بعضهم بالإبدال ، قال في الفروع : ودليلهم يقتضي التسوية ، وعبر القاضي بالإبدال ، ثم قال : نص عليه في رواية أحمد بن سعيد ، في الرجل يكون عنده غنم سائمة ، فيبيعها بضعفها من الغنم ، هل يزكيها أم يزكي الأصل ؟ فقال : بل يعطي زكاتها ; لأن نماءها منها . وقال أبو المعالي : المبادلة ، هل هي بيع ؟ فيه روايتان ثم ذكر نصه بجواز إبدال المصحف ، لا بيعه ، وقول أحمد : المعاطاة بيع ، والمبادلة معاطاة ، وأن هذا أشبه .

قال : فإن قلنا : هي بيع انقطع الحول ، كلفظ المبيع ، لأنه ابتداء ملك نعم المبادلة تدل على وضع شيء مماثل له كالتيمم عن الوضوء ، فكل بيع مبادلة ولا عكس . انتهى . وقال أبو بكر في المبادلة : هل هي بيع أم لا ؟ على روايتين ، وأنكر القاضي ذلك ، وقال : هي بيع بلا خلاف ، ذكره ابن رجب في القاعدة الثالثة والأربعين بعد المائة ، ويأتي هذا في أوائل كتاب البيع عند حكم بيع المصحف .

فائدة : لو زاد بالاستبدال ، تبع الأصول في الحول أيضا ، نص عليه كنتاج ، فلو أبدل مائة شاة بمائتين لزمه زكاة مائتين إذا حال حول المائة ، نص عليه ، وقال أبو المعالي : يستأنف للزائد حولا ، وقال في الانتصار : إن أبدله بغير جنسه بنى ، أومأ إليه ثم سلمه وفرق ، وقال ابن تميم ، وابن حمدان : لا يبني في الأصح .

فائدة : لو أبدله بغير جنسه ، ثم رد عليه بعيب ونحوه : استأنف الحول ، على الصحيح من المذهب ، وذكر أبو بكر : إذا أبدل نصابا بغير جنسه ، ثم رد عليه بعيب ونحوه . ينبني على الحول الأول إذا لم تحصل المبادلة بيعا وفي نسخة إذا لم نقل المبادلة بيع ولو أبدل نصاب سائمة بمثله ثم ظهر فيه على عيب ، بعد أن [ ص: 35 ] وجبت الزكاة ، فله الرد ، ولا تسقط الزكاة عنه ، على الصحيح من المذهب ، وقال ابن حامد : إذا دلس البائع العيب فرد عليه . فزكاته عليه ، فإن خرج من النصاب فله رد ما بقي في أحد الوجهين ، وفي الآخر : يتعين له الأرش ، قلت : هذا المذهب ، على ما يأتي في خيار العيب ، وأطلقهما ابن تميم ، فعلى الأول : لو اختلفا في قيمة المخرج كان القول قول المخرج قلت : وهو الصواب ، وقيل : القول قول صاحبه ، وأطلقهما ابن تميم ، والفروع على ما تقدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية