الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( السادس : قتل الصيد ، واصطياده ، وهو ما كان وحشيا مأكولا ) ، وهذا في قتله الجزاء إجماعا ، مع تحريمه . إلا أن في بقر الوحش رواية : لا جزاء فيها ، على ما يأتي . ويأتي إذا قتل الصيد مكرها أو ناسيا في باب الفدية . قوله ( أو متولدا منه ومن غيره ) شمل قسمين : قسم متولد بين وحشي وأهلي ، وقسم متولد بين وحشي وغير مأكول . وكلاهما يحرم قتله . قولا واحدا ، وعليه الجزاء على الصحيح من المذهب ، وعليه جماهير الأصحاب . وقال في الرعاية الكبرى : ما أكل أبواه ، فدي ، وحرم قتله ، وكذا ما أكل أحد أبويه دونه ، وقيل : لا يفدى ، كمحرم الأبوين . انتهى . وفي الفروع هنا سهو في النقل من الرعاية .

تنبيه : يأتي حكم غير الوحشي ، وما هو مختلف فيه ، عند قوله " ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان " . انتهى .

فائدة : قوله ( ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه ) . هذا المذهب مطلقا . نقله ابن منصور ، وابن إبراهيم ، وأبو الحارث في الدال ، ونقله عبد الله في المشير ، ونقله أبو طالب في المشير وفي الذي يغير ، وعليه أكثر [ ص: 475 ] الأصحاب ، وقال في المبهج : إن كانت الدلالة له ملجئة : لزمه الجزاء للمحرم . كقوله " دخل الصيد في هذه المفازة " وإن كانت غير ملجئة : لم يلزمه . كقوله " ذهب إلى تلك البرية " لأنه لا يضمن بالسبب مع المباشرة إذا لم يكن ملجئا . لوجوب الضمان على القاتل والدافع ، دون الممسك والحافر ، وقال في الفائق ، والمختار : تحريم الدلالة والإشارة ، دون لزوم الضمان بهما ، وقال أبو حكيم في شرحه : إذا أمسك المحرم صيدا حتى قتله الحلال : لزمه الجزاء ، ويرجع به على الحلال ، قال في المستوعب : هذا محمول على أنه لم يمسكه ليقتله ، بل أمسكه للتملك ، فقتله الحلال بغير إذنه ، فيرجع عليه بالجزاء ; لأنه ألجأه على الضمان بقتله .

فوائد . إحداها : لا ضمان على دال ومشير إذا كان قد رآه من يريد صيده قبل ذلك وكذا لو وجد من المحرم عند رؤية الصيد ضحك أو استشراف ففطن له غيره فصاده ، أو أعاره آلة لغير الصيد ، فاستعملها فيه ، قال في الفروع : وظاهر ما سبق : لو دله فكذبه : لم يضمن .

الثانية : لا يحرم دلالة على طيب ولباس . ذكره القاضي ، وابن شهاب وغيرهما واقتصر عليه في الفروع ; لأنه لا يضمن بالسبب ; ولأنه لا يتعلق بهما حكم مختص . والدلالة على الصيد يتعلق بها حكم مخصوص وهو مختص ، وهو تحريم الأكل والإثم . الثالثة : لو نصب شبكة ، ثم أحرم ، أو أحرم ثم حفر بئرا بحق ، كداره ، أو للمسلمين بطريق واسع : لم يضمن ما تلف بذلك ، وإلا ضمن ، كالآدمي إذا تلف في هذه المسألة ، وأطلق في الانتصار ضمانه ، وأنه لا تجب به كفارة قتل ، قال في الفروع : ومراد من أطلق من أصحابنا والله أعلم إذا لم يتحيل فالمذهب رواية واحدة . وإذا يتحيل : فالخلاف . قال : وعدمه أشهر وأظهر . [ ص: 476 ] وقال في الفصول في أواخر الحج : في دبق قبل إحرامه لا يضمن به . بل بعده . كنصب أحبولة ، وحفر بئر ، ورمي ، اعتبارا بحالة النصب والرمي ، ويحتمل الضمان ، اعتبارا بحال الإصابة ، وقال أيضا : يتصدق من آذاه أو أفزعه بحسب أذيته استحسانا . قال : وتقريبه كلبا من مكان الصيد جناية ، كتقريبه الصيد من مهلكة .

قوله ( إلا أن يكون القاتل محرما ، فيكون جزاؤه بينهما ) . يعني إذا كان القاتل محرما والمتسبب في قتله محرما ، فجزم المصنف هنا : أن الجزاء بينهما . وهو المذهب ، وإحدى الروايات ، اختارها ابن حامد ، والمصنف ، والشارح . وجزم به في الإرشاد ، والهداية ، ومسبوك الذهب ، والخلاصة والوجيز ، وابن منجى في شرحه . وقدمه في الكافي ، وصححه ، وهو من المفردات ، والرواية الثانية : على كل واحد جزاء ، اختارها أبو بكر ، وحكاهما في المذهب وجهين . وأطلقهما ، والرواية الثالثة : عليهما جزاء واحد ، إلا أن يكون صوما ، فعلى كل واحد صوم تام . [ ولو أهدى واحد ، وصام الآخر ، فعلى المهدي بحصته ، وعلى الصائم صوم تام ] . نقل هذه الرواية عن الإمام أحمد : الجماعة ، ونصرها القاضي وأصحابه . وقال الحلواني : عليها الأكثر ، وقدمها في المبهج ، وقال : هي أظهر ، وقيل : لا جزاء على محرم ممسك مع محرم قاتل ، قال في الفروع : فيؤخذ من هذا : لا يلزم متسببا مع مباشر . قال : ولعله أظهر . لا سيما إذا أمسكه ليملكه ، فقتل محل . انتهى . وقيل : القرار على القاتل ; لأنه هو جعل فعل الممسك [ علة . قال في الفروع : [ ص: 477 ] وهذا متوجه ، وجزم ابن شهاب : أن الجزاء على الممسك ] لتأكده ، وأن عليه المال . قال في الفروع : كذا قال . ويأتي ذلك أيضا في كلام المصنف في آخر باب جزاء الصيد عند قوله " وإن اشترك جماعة في قتل صيد " .

فوائد . الأولى : وكذا الحكم والخلاف لو كان الشريك سبعا ، فإن سبق حلال أو سبع ، فجرحه أحدهما ثم قتله المحرم . فعليه جزاؤها مجروحا ، وإن سبق هو فجرحه ، وقتله أحدهما ، فعلى المحرم أرش جرحه ، فلو كانا محرمين : ضمن الجارح نقصه ، وضمن القاتل قيمة الجزاء . ولو جرح المحل والمحرم معا . قيل : على المحرم بقسطه ، اختاره أبو الخطاب في خلافه ، وقدمه ابن رزين في شرحه ، وقيل : عليه جزاء كامل ، جزم به القاضي أبو الحسين ، والشارح . وأطلقهما الزركشي ، والمصنف في المغني .

الثانية : لو كان الدال والشريك لا ضمان عليه ، كالمحل مع المحرم : فالجزاء جميعه على المحرم على الصحيح من المذهب . قال في الفروع : في الأشهر ، وجزم به في المغني ، والشرح ، ونصراه ، وقالا : هذا ظاهر قول أحمد ، وجزم به في المبهج قال ابن البنا : نص عليه ، قال في الفروع : والمنقول عن أحمد : إطلاق القول . لم يبين ، قال القاضي : فيحتمل أن يريد به جميعه ، ويحتمل بحصته ، وذكر بعضهم وجهين ; لأنه اجتمع موجب ومسقط . فغلب الإيجاب ، قال في القاعدة الثامنة والعشرين : قال القاضي في المجرد : مقتضى الفقه عندي : أنه يلزمه نصف الجزاء .

الثالثة : لو دل حلال حلالا على صيد في الحرم ، فهي كما لو دل محرم محرما على صيد . قاله ناظم المفردات ، وهو المذهب ، نص عليه ، وعليه أكثر الأصحاب [ ص: 478 ] وقدمه في الفروع ، وقال جماعة : لا ضمان على دال في حل . بل على المدلول وحده كحلال دل محرما . ويأتي ذلك في أول باب صيد الحرم .

التالي السابق


الخدمات العلمية