الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  819 238 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني غندر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت سليمان الشيباني ، قال : سمعت الشعبي ، قال : أخبرني من مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمهم وصفوا عليه فقلت : يا أبا عمرو ، من حدثك ؟ فقال : ابن عباس رضي الله عنه .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للجزء الأول من الترجمة وهو وضوء الصبيان ، وللجزء الثالث وهو قوله : " وحضورهم الجماعة " ، وللجزء السادس وهو [ ص: 151 ] قوله : “ وصفوفهم " ، فإن ابن عباس كان في ذلك الوقت صغيرا طفلا وقد حضر الجماعة ودخل في صفهم وصلى معهم ، ولم يكن صلى إلا بوضوء .

                                                                                                                                                                                  ذكر رجاله ، وهم ستة ; الأول : محمد بن المثنى ، هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري . الثاني : غندر ، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وفي آخره راء ، وهو لقب محمد بن جعفر البصري . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : سليمان ابن أبي سليمان ، واسمه فيروز ، أبو إسحاق الشيباني الكوفي . الخامس : عامر الشعبي . السادس : صحابي لم يسم .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده )

                                                                                                                                                                                  فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي ، وفيه القول في ستة مواضع . وفيه أن شيخه منسوب إلى جده . وفيه أن أحد الرواة مذكور بلقبه . وفيه صحابي مجهول ولكن جهالة الصحابي لا تضر صحة الإسناد . وفيه أن الأولين من رواته بصريان والثالث واسطي والرابع كوفي والخامس كذلك كوفي ، وفيه سليمان مميز بنسبته ، وفيه أن أحدهم يذكر كذلك بنسبته إلى قبيلته . وفيه رواية التابعي عن التابعي ، وهما سليمان والشعبي .

                                                                                                                                                                                  ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره

                                                                                                                                                                                  أخرجه البخاري أيضا في الجنائز عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال ، فرقهم أربعتهم عن شعبة ، وفيه أيضا عن موسى بن إسماعيل . وأخرجه مسلم في الجنائز عن محمد بن المثنى به ، وعن الحسن بن الربيع وأبي كامل الجحدري ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عبيد الله بن معاذ ، وعن الحسن بن الربيع ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وهارون بن عبد الله ، وعن أبي غسان محمد بن عمرو الرازي . وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن العلاء به . وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم ، وعن إسماعيل بن مسعود . وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد .

                                                                                                                                                                                  ذكر معناه

                                                                                                                                                                                  قوله : “ من مر مع النبي صلى الله عليه وسلم " وفي رواية الترمذي : حدثنا الشعبي " أخبرني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم " . قوله : " على قبر منبوذ " بفتح الميم وسكون النون وضم الباء الموحدة وفي آخره ذال معجمة ، أي : على قبر منفرد عن القبور . وقال ابن الجوزي : وقد رواه قوم " على قبر منبوذ " بإضافة قبر إلى منبوذ ، وفسروه باللقيط ، قال : وهذا ليس بشيء لأن في بعض الألفاظ : " أتى قبرا منبوذا " انتهى . قلت : يؤيد ما قاله رواية الترمذي " ورأى قبرا منتبذا فصف أصحابه " ، الحديث ، وفي رواية الصحيح " على قبر منبوذ " على أن المنبوذ صفة للقبر بمعنى منفرد ، كما ذكرنا . وقال الخطابي أيضا : إنه روي على وجهين ، يعني بالإضافة والصفة . قال الحافظ الدمياطي : من رواه منونا فيهما على النعت ، أي : منتبذا عن القبور ناحية ، يقال : جلست نبذة ، بالفتح والضم ، أي : ناحية ، ويرجع إلى معنى الطرح ، فكأنه طرح في غير موضع قبور الناس ، ومن رواه بغير تنوين على الإضافة فمعناه : قبر لقيط وولد مطروح ، والرواية الأولى أصح ، لأنه جاء في بعض طرق البخاري عن ابن عباس في التي كانت تقم المسجد .

                                                                                                                                                                                  ولما روى الترمذي حديث ابن عباس هذا قال : وفي الباب عن أنس وبريدة ويزيد بن ثابت وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وأبي قتادة وسهل بن حنيف رضي الله تعالى عنهم . قلت : وفي الباب أيضا عن جابر وأبي سعيد وأبي أمامة بن سهل ; أما حديث أنس فرواه مسلم عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر " ورواه ابن ماجه أيضا وزاد " بعدما دفن " . وأما حديث بريدة فرواه ابن ماجه من رواية ابن بريدة عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ميت بعدما دفن " . وأما حديث يزيد بن ثابت فرواه النسائي وابن ماجه من رواية خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت " أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى قبرا حديثا ، قال : ما هذا ؟ قالوا : هذه فلانة ، مولاة أبي فلان " الحديث ، وفيه : " فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الناس خلفه فكبر عليها أربعا " . وأما حديث أبي هريرة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى . وأما حديث عامر بن ربيعة فرواه ابن ماجه عنه " أن امرأة سوداء ماتت " الحديث ، وفيه : " قال لأصحابه : صفوا عليها ، وصلى عليها " . وأما حديث أبي قتادة فرواه البيهقي عنه في وفاة البراء بن معرور وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على قبره . وأما حديث سهل بن حنيف فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه " أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة فكبر أربعا " . وأما حديث جابر فرواه النسائي عنه " أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعدما دفنت " . وأما حديث أبي سعيد فرواه ابن ماجه عنه قال : " كانت سوداء تقم [ ص: 152 ] المسجد " الحديث ، وفيه : " فخرج " أي : النبي صلى الله عليه وسلم " صلى بأصحابه فوقف على قبرها فكبر عليها والناس خلفه " . وأما حديث أبي أمامة بن سهل فرواه النسائي عنه أنه قال : " مرضت امرأة من أهل العوالي " الحديث ، وفيه : " فأتى قبرها فصلى عليها فكبر أربعا " ، قال النووي في الخلاصة : وأبو أمامة له صحبة ، وقال شيخنا زين الدين العراقي : له رؤية ، وأما الصحبة فلا ، وقال الذهبي في كتاب تجريد الصحابة : أبو أمامة بن سهل بن حنيف اسمه أسعد ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديثه مرسل .

                                                                                                                                                                                  قوله : “ وصفوا عليه " أي : على القبر ، قوله : “ فقلت يا با عمرو " أصله : يا أبا عمرو ، حذفت الهمزة للتخفيف ، وأبو عمرو كنية الشعبي رحمه الله . قوله : " قال ابن عباس " أي : قال : حدثني ابن عباس ، وفاعل قال هو الذي مر مع النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه )

                                                                                                                                                                                  فيه جواز الصلاة على القبر ، قال أصحابنا : وإن دفن الميت ولم يصل عليه صلي على قبره ولا يخرج منه ، ويصلي عليه ما لم يعلم أنه تفرق ، هكذا ذكر في المبسوط ، وهذا يشير إلى أنه إذا شك في تفرقه وتفسخه يصلى عليه ، وقد نص الأصحاب على أنه يصلى عليه مع الشك في ذلك ، ذكره في المفيد والمزيد وجوامع الفقه ، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ، وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي .

                                                                                                                                                                                  ثم هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل ؟ فالصحيح أنه يشترط ، ورواه ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط ، وهذا الذي ذكرنا إذا دفن بعد الغسل قبل الصلاة عليه وإذا دفنوه بعد الصلاة عليه ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه ، فإن لم يهيلوا التراب عليه يخرج ويغسل ويصلى عليه ، وإن أهالوا التراب عليه لم يخرج . ثم هل يصلى عليه ثانيا في القبر ؟ ذكر الكرخي أنه يصلى عليه ، وفي النوادر عن محمد : القياس أن لا يصلى عليه ، وفي الاستحسان أن يصلى عليه ، وفي المحيط : لو صلى عليه من لا ولاية عليه يصلي على قبره ، والاعتبار في كونه قبل التفسخ غالب الظن ، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلى عليه ، وإلا يصلى عليه . وعن أبي يوسف : يصلى عليه إلى ثلاثة أيام . وللشافعية ستة أوجه ; أولها : إلى ثلاثة أيام ، ثانيها : إلى شهر ، كقول أحمد ، ثالثها : ما لم يبل جسده ، رابعها : يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته ، خامسها : يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته ، سادسها : يصلى عليه أبدا ، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم ، واتفقوا على تضعيفه ، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي ، وقال إسحاق : يصلي القادم من السفر إلى شهر ، والحاضر إلى ثلاثة أيام . وقال سحنون ، من المالكية : لا يصلى على القبر . وقالت المالكية في جواب الحديث المذكور بأنه علل الصلاة على القبر في حديث أبي هريرة بأن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وأن الله ينورها بصلاتي عليهم ، قالوا : فأثبت أن تنويرها بصلاته هو عليهم لا بصلاة غيره . وقال ابن حبان : ولو كان خاصا لزجر أصحابه أن يصطفوا خلفه ويصلوا معه على القبر ، ففي ترك إنكاره أبين البيان أنه فعل مباح له ولأمته معا . ( فإن قلت ) : روى البخاري عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين ؟ ( قلت ) : أجاب السرخسي في المبسوط وغيره أن ذلك محمول على الدعاء ، ولكنه غير سديد ، لأن الطحاوي روى عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ، والجواب السديد أن أجسادهم لم تبل ، وفي الموطأ أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كان السيل قد حفر قبرهما وهما من شهداء أحد فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ولقتلهما ست وأربعون سنة .

                                                                                                                                                                                  وفيه أن اللقيط إذا وجد في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ونحوها من أحكام الدين ، واستدل به قوم على كراهة الصلاة إلى المقابر لأنه جعل انتباذ القبر عن القبور شرطا في جواز الصلاة ، وفيه نظر .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية