الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر أمر باذ الكردي خال بني مروان وملكه الموصل

في هذه السنة قوي أمر باذ الكردي ، واسمه أبو عبد الله الحسين بن دوستك [ ص: 402 ] وهو من الأكراد الحميدية ، وكان ابتداء أمره أنه كان يغزو بثغور ديار بكر كثيرا ، وكان عظيم الخلقة ، له بأس وشدة ، فلما ملك عضد الدولة الموصل حضر عنده ، فلما رأى عضد الدولة خافه وقال : ما أظنه يبقي علي فهرب حين خرج من عنده ، وطلبه عضد الدولة بعد خروجه ليقبض عليه ، وقال : له بأس وشدة ، وفيه شر ، ويجوز الإبقاء على مثله فأخبر بهربه فكف عن طلبه .

وحصل بثغور ديار بكر ، وأقام بها إلى أن استفحل أمره وقوي ، وملك ميافارقين وكثيرا من ديار بكر بعد موت عضد الدولة ، ووصل بعض أصحابه إلى نصيبين ، فاستولى عليها ، فجهز صمصام الدولة إليه العساكر مع أبي سعد بهرام بن أردشير ، فواقعه ، فانهزم بهرام وأسر جماعة من أصحابه ، وقوي أمر باذ ، فأرسل صمصام الدولة إليه أبا القاسم سعد بن محمد الحاجب في عسكر كثير ، فالتقوا بباجلايا على خابور الحسينية ، من بلد كواشى ، واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم سعد وأصحابه ، واستولى باذ على كثير من الديلم ، فقتل وأسر ، ثم قتل الأسرى صبرا . وفي هذه الوقعة يقول أبو الحسن البشنوي :

بباجلايا جلونا عنه غمته ، و نحن في الروع جلاءون للكرب



( يعني باذا ) ، ( وسنذكر سببه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ، إن شاء الله تعالى .

ولما هزم باذ الديلم وسعدا ، وفعل بهم ما تقدم ذكره ، سبقه سعد فدخل الموصل ، وسار باذ في أثره ، فثار العامة بسعد لسوء سيرة الديلم فيهم ، فنجا منهم بنفسه ، ودخل باذ إلى الموصل واستولى عليها ، وقويت شوكته ، وحدث نفسه بالتغلب على بغداذ وإزالة الديلم عنها ، وخرج من حد المتطرفين ، وصار في عداد أصحاب [ ص: 403 ] الأطراف . فخافه صمصام الدولة ، وأهمه أمره ، وشغله عن غيره ، وجمع العساكر ليسيرها إليه ، فانقضت السنة .

وقد حدثني بعض أصدقائنا من الأكراد الحميدية ممن يعتني بأخبار باذ أن باذا كنيته أبو شجاع ، واسمه باذ ، وأن أبا عبد الله هو الحسين بن دوستك ، وهو أخو باذ ، وكان ابتداء أمره أنه ، كان يرعى الغنم ، وكان كريما جوادا ، وكان يذبح الغنم التي له ويطعم الناس ، فظهر عنه اسم الجود ، فاجتمع عليه الناس ، وصار يقطع الطريق ، وكلما حصل له شيء أخرجه ، فكثر جمعه ، وصار يغزو ، ثم إنه دخل أرمينية ، فملك مدينة أرجيش ، وهي أول مدينة ملكها ، فقوي بها ، وسار منها إلى ديار بكر ، فملك مدينة آمد ، ثم ملك مدينة ميافارقين وغيرها من ديار بكر ، وسار إلى الموصل فملكها كما ذكرناه .

التالي السابق


الخدمات العلمية