الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر أخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه وغيرهم وقتل ابن عمار

نذكر هاهنا ما كان من أخبار أولاده ، وأولاد أخيه ، وغيرهم من العلويين ، متتابعا لئلا ينقطع الكلام ، وليأخذ بعضه ببعض .

ولما قتل يحيى بن علي رجع أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقية ، ونجا الخادم الصقلبي ، وهما مدبرا دولة العلويين ، فأتيا مالقة ، وهي دار مملكتهم ، فخاطبا أخاه إدريس بن علي ، وكان له سبتة وطنجة ، وطلباه فأتى إلى مالقة ، وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة ، فأجابهما إلى ذلك ، فبايعاه ، وسار حسن بن يحيى ، ونجا إلى سبتة وطنجة ، وتلقب إدريس بالمتأيد بالله ، فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين ، أو إحدى وثلاثين وأربعمائة .

فسير القاضي أبو القاسم بن عباد ولده إسماعيل في عسكر ليتغلب على تلك البلاد ، فأخذ قرمونة ، وأخذ أيضا أشبونة ، وإستجة ، فأرسل صاحبها إلى إدريس ، وإلى باديس بن حبوس ، صاحب صنهاجة ، فأتاه صاحب صنهاجة بنفسه ، وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقية مدبر دولته ، فلم يجسروا على إسماعيل بن عباد ، فعادوا عنه ، فسار إسماعيل مجدا ليأخذ على صنهاجة الطريق ، فأدركهم وقد فارقهم عسكر إدريس قبل ذلك بساعة ، فأرسلت صنهاجة من ردهم فعادوا ، وقاتلوا إسماعيل بن عباد ، فلم يلبث أصحابه أن انهزموا وأسلموه ، فقتل وحمل رأسه إلى إدريس .

[ ص: 625 ] وكان إدريس قد أيقن بالهلاك ، وانتقل عن مالقة إلى جبل يحتمي به وهو مريض ، فلما أتاه الرأس عاش بعده يومين ، ومات وترك من الولد يحيى ، ومحمدا ، وحسنا ، وكان يحيى بن علي المقتول قد حبس ابني عمه محمدا والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة ، فلما مات إدريس أخرجهما الموكل بهما ، ودعا الناس إليهما ، فبايعهما السودان خاصة قبل الناس لميل أبيهما إليهم فملك محمد الجزيرة ، ولم يتسم بالخلافة .

وأما الحسن بن القاسم فإنه تنسك وترك الدنيا وحج ، وكان ابن بقية قد أقام يحيى بن إدريس بعد موت والده بمالقة ، فسار إليها نجا الصقلبي من سبتة هو والحسن بن يحيى ، فهرب ابن بقية ، ( ودخلها الحسن ونجا ، فاستمالا ابن بقية ) حتى حضر ، فقتله الحسن وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس ، وبايعه الناس بالخلافة ، ولقب بالمستنصر بالله ، ورجع نجا إلى سبتة ، وترك مع الحسن المستنصر نائبا له يعرف بالشطيفي ، فبقي حسن كذلك نحوا من سنتين ، ثم مات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة ، فقيل إن زوجته ابنة عمه إدريس سمته أسفا على أخيها يحيى ، فلما مات المستنصر ، اعتقل الشطيفي إدريس بن يحيى ، وسار نجا من سبتة إلى مالقة ، ( وعزم على محو أمر العلويين ، وأن يضبط البلاد لنفسه ، وأظهر ) البربر على ذلك ، فعظم عندهم ، فقتلوه ، وقتلوا الشطيفي ) وأخرجوا إدريس بن يحيى ، وبايعوه بالخلافة ، وتسمى بالعالي ، وكان كثير الصدقة يتصدق كل جمعة بخمسمائة دينار ، ورد كل مطرود عن وطنه وأعاد عليهم أملاكهم .

وكان متأدبا ، حسن اللقاء ، له شعر جيد ، إلا أنه كان يصحب الأرذال ولا يحجب نساءه عنهم ، وكل من طلب منهم حصنا من بلاده أعطاه ، فأخذ منه صنهاجة [ ص: 626 ] عدة حصون ، وطلبوا وزيره ومدبر أمره صاحب أبيه موسى بن عفان ليقتلوه ، فسلمه إليهم فقتلوه ، وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ابني إدريس بن علي ( في حصن أيرش ، فلما رأى ثقته بأيرش اضطراب آرائه خالف عليه وبايعه ابن عمه محمد بن إدريس بن علي ) ، وثار بإدريس بن يحيى من عنده من السودان ، وطلبوا محمدا فجاء إليهم فسلم إليه إدريس الأمر ، وبايع له سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة ، فاعتقله محمد ، وتلقب بالمهدي ، وولى أخاه الحسن عهده ، ولقبه السامي .

وظهرت من المهدي شجاعة وجرأة ، فهابه البربر وخافوه ، فراسلوا الموكل بإدريس بن يحيى ، فأجابهم إلى إخراجه ، وأخرجه وبايع له ، وخطب له بسبتة وطنجة بالخلافة ، وبقي إلى أن توفي سنة ست وأربعين [ وأربعمائة ] .

ثم إن المهدي رأى من أخيه السامي ما أنكره ، فنفاه عنه ، فسار إلى العدوة إلى جبال غمارة ، وأهلها ينقادون للعلويين ويعظمونهم ، فبايعوه ، ثم إن البربر خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيرة ، واجتمعوا إليه وبايعوه بالخلافة ، وتسمى بالمهدي أيضا ، فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة ، أربعة كلهم يسمى أمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا ، فرجعت البرابر عنه ، عاد إلى الجزيرة ، فمات بعد أيام ، فولي الجزيرة ابنه القاسم ، ولم يتسم بالخلافة ، وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين [ وأربعمائة ] ، وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا ، فلما توفي محمد بن إدريس بن علي قصد إدريس بن يحيى مالقة فملكها ، ثم انتقلت إلى صنهاجة .

التالي السابق


الخدمات العلمية