الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      معلومات الكتاب

      نحو قراءة نصية في بلاغة القرآن والحديث

      الأستاذ الدكتور / عبد الرحمن بو درع

      بلاغة النص في الحديث النبوي الشريف

      مقاربة من زاوية علم لغة النص

      امتازت نصوص الحديث النبوي الشريف بالفصاحة العالية التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم . وقد وصف الجاحظ البيان النبوي بأنه الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثرت معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف [1] ، وبأن صاحبه "استعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر وهجر الغريب والوحشي، ورغب عن الهجين والسوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتاييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام... لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلم القصار.. ولم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا ولا أكرم [ ص: 97 ] مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين فحوى، من كلامه صلى الله عليه وسلم " [2] .

      هذه الصفات التي أوردها الجاحظ ليست مجرد تكلف في الامتداح والتجويد ولكنها مستنبـطة فعلا مما صـح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكل ما صح منه فهو موصوف بالبلاغة العالية.

      إن بلاغة النص الحديثي قد بلغت كمال البيان البشري [3] ، ولهذا النوع من البيان موقع عظيم؛ لأنه يعتمد على كشف المعنى وإيضاحه حتى يصل إلى النفوس على أحسن صورة وأسهلها.

      ولا تقف "بلاغة النص" عند حدود النظم البليغ والصور البديعة، ولكنها تتعدى ذلك إلى المعاني أيضا [4] ؛ لأن كل حديث من الأحاديث الصحيحة يشتمل على فوائد كثيرة ومعاني مركزة. ولا أدل على ذلك من أن علماء الفقه والدراية بالحديث استنبطوا أحكاما كثيرة من الحديث الواحد، بل صنفوا الكتب المفصلة في الحديث الواحد؛ لأن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم البليغة الجامعة [ ص: 98 ] لم تترك معنى من المعاني إلا وفصلت فيه القول وبينت فيه الحكم. [5]

      فصفة البلاغة النصية في ما صح من كلم الرسول صلى الله عليه وسلم ، تصدق على تراكيب الجديد وصوره وهيآت بنائه، مثلما تصدق على معانيه وقضاياه وأحكامه. وتدخل هذه المعاني في ما دعاه أهل البلاغة بالمعاني العقلية التي تقابل المعاني التخييلية؛ ذلك أن المعاني تنقسم إلى قسمين: عقلي وتخييلي، قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في بيان المعاني العقلية:

      "فالذي هو العقلي على أنواع: أولها عقلي صحيح، مجراه في الشعر والكتابة والبيان والخطابة، مجرى الأدلة التي يستنبطها العقلاء، والفوائد التي تثيرها الحكماء، ولذلك نجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلام الصحابة رضي الله عنهم، ومنقولا من آثار السلف الذين شأنهم الصدق وقصدهم الحق، أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة... "ففي هذه الأقوال" معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة، ويعطيه من نفسه أكرم النسبة. وتتفق العقلاء على [ ص: 99 ] الأخذ به والحكم بموجبه في كل جيل وأمة، ويوجد له أصل في كل لسان ولغة. وأعـلى مناسبه وأنورها، وأجـلها وأفخرهـا قول الله تعالى: ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13)، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) [6] ... فهذا كما ترى باب من المعاني التي تجمع فيها النظائر، وتذكر الأبيات الدالة عليها، فإنها تتلاقى وتتناظر، وتتشابه وتتشاكل، ومكانه من العقل ما ظهر لك واستبان ... وكذلك قوله:


      وكل امرئ يولي الجميل محبب



      صريح معنى، للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة، وكيفية التادية من الاختصار وخلافه والكشف أو ضده. وأصله... قوله عز وجل: ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) (فصلت:34)، وكذا قوله:


      لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى     حتى يراق على جوانبه الدم



      معنى معقول، لم يزل العقلاء يقضون بصحته، ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنته، وبه جاءت أوامر الله سبحانه، وعليه جرت الأحكام الشرعية والسنن النبوية، وبه استقام لأهل الدين دينهم، وانتـفى عنهم أذى من يفتنهم ويضيرهم. [ ص: 100 ]

      وأما القسـم التخييلي فهـو الذي لا يمكن أن يقال إنه صدق، وإن ما أثبته ثابت وما نفاه منفي.

      والعقل بعد على تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه.

      وما كان العقل ناصره والتحقيق شاهده فهو العزيز جانبه.

      واعلم أن الاستعارة لا تدخل في قبيل التخييل؛ لأن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعارة، وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك، فلا يكون مخبره على خلاف خبره، وكيف يعرض الشك في أن لا مدخل للاستعارة في هذا الفن، وهي كثيرة في التنـزيل على ما لا يخفى، كقوله عز وجل: ( واشتعل الرأس شيبا ) (مريم:4)، ثم لا شبهة في أن ليس المعنى على إثبات الاشتعال ظاهرا، وإنما المراد إثبات شبهه، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن مرآة المؤمن ) [7] ، ليس على إثباته مرآة من حيث الجسم الصقيل، لكن من حيث الشبه المعقول، وهو كونه سببا للعلم بما لولاها لم يعلم؛ لأن ذلك العلم طريقه الرؤية..." [8] .

      وهكذا فالبيان النبوي الكريم يدخل في قسم المعاني العقلية الصحيحة؛ لأنه مجال استنباط الأدلة العقلية، شأن كلامه صلى الله عليه وسلم ، الصدق وقصده الحق، ويشهد له العقل بالصحة [ ص: 101 ]

      التالي السابق


      الخدمات العلمية