الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
      - السجع:

      من هذه القيـم الصوتية مراعـاة الفواصل، وهو ما يعرف بالسجع، في عبارات موجـزة مركزة، منسـابة انسيـابا طبيعـيا لم يسبقه إعداد أو نخل أو تثقيف، والكلام إذا كان مسجوعا لذ لسامعه، فحفظه. و"السجع تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد" [1] .

      ومما ورد فيه شيء من السجع قوله صلى الله عليه وسلم ، في حديث عبد الله بن سلام:

      ( يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ) [2] .

      السلام لفظ أطلق على العموم، ولا يجب استعماله في كل الأحوال؛ لأن المرء إذا استعمل ذلك في كل الأحوال على كل إنسان ضاق به الأمر وخرج إلى ما ليس في وسعه، وتكلف إلزام الفرائض بالرد على المسلمين. وإذا كان الرد هو الفرض صار على الكفاية، وكان ابتداء السلام الذي ليس أولى أن يكون على الكفاية. وقوله ( أطعموا الطعام ) أمر ندب إلى استعماله وحث عليه قصدا لطلب الثواب. [ ص: 167 ]

      أما من حيث القيم الصوتية، فقد توافقت فواصل السجع، وتوحدت أواخر الكلم في حرفي الألف والميم، ويتم الوقف على الميم بعد مد الألف، فيكتسب اللفظ دلالة مقصودة، تركز على الكلمة حتى تستقر في النفس بعد أن يطول في السمع استغراقها الزمني وترددها.

      ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم ) [3] .

      الخب بالفتح والكسر الرجل الخداع؛ تقول منه خببت يا رجل بالكسر خبا بالكسر ومنه حديث أبي بكر:

      عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة خب ولا منان ولا بخيل ) [4] . الخب الخداع الخبيث الذي يستعمل الدهاء في الأمور الدنيوية صغيرها وكبيرها. و ( المؤمن غر كريم ) أي ليس بذي نكر, فهو ينخدع لانقياده ولينه, وهو ضد الخب. يقال فتى غر وفتاة غر، وقد غررت تغر غرارة. يريد أن المؤمن المحمود من طبعه الغرارة, وقلة الفطنة للشر, وترك البحث عنه, وليس ذلك منه جهلا, ولكنه كرم وحسن خلق. وهؤلاء قليلو الشر منقادون, فإن من نبذ الشهرة، وآثر الخمـول وإصلاح نفسه والتزود لمعاده, ونبذ أمور الدنيا فليس غرا [ ص: 168 ] فيما قصـد له، ولا مذموما بنوع من الذم [5] ، أما الـخب فهو الـخداع والـخبث والغش، ورجل مخاب مدغل، ورجل خب وخب: خداع خبـيث منكر، وهو الـخب والـخب؛ قال الشاعر:


      وما أنت بالـخب الـختور ولا الذي إذا استودع الأسرار يوما أذاعها

      [6]

      وفيه مناسبة بين "الكريم" و"اللئيم" ، في الوزن والسجع والتجنيس، ومناسبة بين "غر" و"خب" في الوزن وطباق بينهما.

      ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة:

      ( بادروا بالأعمال سبعا؛ هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؛ فالساعة أدهى وأمر ) [7] .

      ( بادروا بالأعمال سبعا ) أي سابقوا وقوع الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتموا بها قبل حلولها، هل تنظرون إلا إلى فقر منس: خرج [ ص: 169 ] مخرج التوبيخ على تقصير المكلفين في أمر دينهم، أي متى تعبدون ربكم فإنكم إن لم تعبدوه مع قلة الشواغل وقوة البدن، فكيف تعبدونه مع كثرة الشواغل وضعف القوى، لعل أحدكم ما ينتظر إلا غنى مطغيا. وقوله: ( منسيا ) من باب الإفعال، ويجوز أن يكون من باب التفعيل، والأول أولى للمشاكلة، أي جاعلا صاحبه مدهوشا ينسيه الطاعة، من الجوع والعري والتردد في طلب القوت. أو ( غنى مطغيا ) أي موقعا في الطغيان. أو ( مرضا مفسدا ) أي للبدن لشدته، أو للدين لأجل الكسل الحاصل به. أو ( هرما مفندا ) أي موقعا في الكلام المحرف عن سنن الصحة من الخرف والهذيان وإنكار العقل، والخطأ في القول والرأي والكذب والتخطيء والتكذيب والتفنيد. أو ( موتا مجهزا ) من الإجهاز أي قاتلا بغتة ومانعا من أن يقدر على توبة ووصية. والمجهز هو السريع؛ يقال أجهز على الجريح إذا أسرع قتله. أو ( الدجال ) أي خروجه؛ ( فشر غائب ينتظر ) أو ( الساعة ) أي القيامة، ( فالساعة أدهى ) أي أشد الدواهي وأقطعها وأصعبها، و ( أمر ) أي أكثر مرارة من جميع ما يكابده الإنسان في الدنيا من الشدائد لمن غفل عن أمرها ولم يعد لها قبل حلولها. والقصد الحث على البدار إلى العمل الصالح قبل حلول شيء من ذلك [8] . [ ص: 170 ]

      وفي الحديث مناسبة تامة في الوزن بين ( منسيا ) و ( مطغيا ) ثم بين ( مفسدا ) و ( مفندا ) وسجع فقط بين ( ينتظر ) و ( أمر ) وطباق بين ( الفقر ) و ( الغنى ) ورعاية النظير بين ( المرض ) و ( الهرم ) و ( الموت ) والاقتباس من القرآن الكريم في قوله ( والساعة أدهى وأمر )

      ومنه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في سجوده فيما رواه أبو هريرة: ( اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، علانيته وسره ) [9] فقد توافقت الكلمتان الأوليان: ( دقه ) و ( جله ) في الوزن، والسجع، والتجنيس..

      وتثار في معرض الحديث عن السجع في الحديث النبوي، مسألة الموقف من السجع نفسه، حيث يقال: كيف يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلام مسجوع، وهو الذي أنكر السجع حين قال: ( أسجعا كسجع الكهان؟ ) [10] .

      والجواب أنه لم ينكر السجع مطلقا، وإنما قيده بسجع الكهان، وعلقه عليه. فالنهي إنما عن حكم الكاهن، الوارد باللفظ المسجوع. ولكن قوما [ ص: 171 ] ذموا السجع وأزروا عليه، بينما ورد في القرآن الكريم كثير منه، ونطق به النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من كلامه [11] ؛ فقد يتوخاه ويقصده، مع الحرص على بيان المعـنى وتقريبه إلى المخـاطبين، حتى إنه غير الـكلمة عن وجهها، إتباعا لها بأخواتها من أجل السجع، فكان يعوذ ابني ابنته، ويقول: ( إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ) [12] .

      وهناك فائدة أخرى في هذا الدعاء وهي طلب المشاكلة الصوتية، والتجوز بالصوت من وضع إلى وضع آخر للتأليف بينهما والموافقة والانسجام. وهذا ما يمكن تسميته بالمجاز الصوتي [13] .

      فإنما أطلق لفظ "لامة" وأراد "ملمة"؛ لأن الأصل فيها من "ألم" "يلم" فهو "ملم"، وألممت إلماما فأنا ملم، ولم يقل: ملمة, وأصلها من ألممت إلماما، يقال ذلك للشيء تأتيه وتلم به; وهو القياس والأصل [14] . والهامة يعنى الواحدة من هوام الأرض، وهي دوابها المؤذية. [ ص: 172 ]

      وقد يكون هذا من غير وجه, منها أن لا يراد طريق الفعل, ولكن يراد أنها ذات لمم فتقول على هذا المعنى: لامة كما قال الشاعر:


      كليني لهم يا أميمة ناصب     وليل أقاسيه بطيء الكواكب

      [15]

      وإنما هو منصب، فأراد به ذا نصب. ومنه قوله عز وجل: ( وأرسلنا الرياح لواقح ) (الحجر:22)، واحدتها لاقح على معنى أنها ذات لقح. ومنه الحديث: ( إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم... ) [16] . فخرج عن القياس، ليزاوج بين "تامة" و "هامة" و "لامة" في الوزن والسجع والتجنيس.

      وفي حديث سويد بن هبيرة: ( خير المال: مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة ) [17] .

      والسكة المأبورة هي الطريق المصطفة المستوية من النخل، وإنما سميت الأزقة سككا لاصطفاف الدور فيها كطرائق النخل. وأما المأبور من النخل فإنه الذي قد لقح. وأما المهرة المأمورة أو الفرس المأمورة فإنها المكثرة النتوج الولود، وهو من التكثـير وانتشـار الأمر أو الخـبر، كما جاء في حديث أبي سفيان: ( لقد أمر أمر ابن أبـي كبشة، إنه ليخافه ملك بني [ ص: 173 ] الأصفر ) [18] . وكان ينبغي أن يقول: مهرة مؤمرة، فقال بدلا منها: "مأمورة" للازدواج، فزاوج بها "مأبورة"، وجاء بها لمكان أختها، على وزنها، على ما أنس به من الإتباع.

      وفي حديث آخر: ( ارجعن مأجورات غير مأزورات ) [19] ؛ وإنما هو "موزورات" من الوزر، فقال: ( مأزورات ) علـى لفظ "مأجورات" لـيزدوجا، كما قالت العرب: إني آتيه بالغدايا والعشايا، وإنما تجمع الغداة غدوات فجاؤوا بالغدايا على لفظ العشايا تزويجا للفظين، ولها نظائر [20] ... قال النووي: "وهذا الإتباع كثير فى كلام العرب وهو من فصيحه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ارجعن مأجورات... ) أتبع "مأزورات" "لمأجورات"، ولو أفرد ولم يضم إليه "مأجورات" لقال "موزورات"، كذا قاله الفراء وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب "إني لآتيه بالغدايا والعشايا" جمعوا الغداة على غدايا إتباعا لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلاغدوات" [21] .

      وقد أدرجه النحويون تحت قاعدة الجوار، وهي "أن الشيء يعطى حكم الشيء إذا جاوره" [22] . [ ص: 174 ]

      فالقياس يخالف الإتباع؛ لأن الإتباع والازدواج أمر صوتي يميل بالعبارة إلى تحصيل المجانسة الصوتية، وهي من القيم الجمالية في الحديث النبوي، والمشاكلة بين الألفاظ من مطلوب العرب، كما ذكر ابن يعيش والعسكري [23] . وأكثر الأحاديث النبوية التي جاءت مسجوعة، أو تضمنت بعض السجع، امتازت عباراتها المسجوعة بالاعتدال في مقاطع الكلام، وجاءت محمولة على الطبع والسجية وعدم التكلف، أما سجع الكهان فهو متكلف مذموم منهي عنه، وقد أخبر عمر، رضي الله عنه، عن ذلك فقال: "نهينا عن التكلف" [24] .

      ومما ورد مسجـوعا ما ورد في حـديث المغـيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال ) [25] .

      هذا الحديث البليغ يعد من جوامع الكلم، يتألف من كلمات معدودات تستحق أن تشرح في تصنيف قائم بذاته. [ ص: 175 ]

      من قضايا الحديث التحريم والتحليل، وهو حكم شرعي يختص به الشارع الحكيم، ويدخل تحت التحريم جملة من المحرمات، وتحت الكراهة جملة من المكروهات، ولا أحد يملك حق التحليل والتحريم إلا الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ولا أحد من البشر يملك حق التشريع في الدين، لأنه حق محض للشارع الحكيم، والعلماء يحتج لأقـوالهم ولا يحتج بأقـوالهم، يقـول الله عز وجل: ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ) (النحل:116).

      وفي الحديث فوائد بلاغية كثيرة، منها اللف والنشر، وهو ذكر متعدد على جهة الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يرده إليه [26] ، فاللف في قوله ( حرم عليكم ) و ( كره لكم ) والنشر فيما بعدهما.

      والعدد الوارد في الحديث ( حرم ثلاثا وكره ثلاثا ) [27] لا يقتضي الحصر بالضرورة؛ فقد حرم الله عز وجل أشياء كثيرة كالشرك والزنا والربا والكـذب والغيبة والنميمة... وإنما نص على الثلاثة في بعض الروايات [ ص: 176 ] لأنها من أبرز المحرمات والمكروهات، أو لمناسبة المنصوص عليه عددا لسياق الورود [28] .

      وفي الحديث سجع محمود ورد على السجية.

      التالي السابق


      الخدمات العلمية